الوان الطيف
13-08-2009, 03:57 PM
كتبهاحسن عثمان ، في 16 أكتوبر 2008 الساعة: 05:52 ص
بقلم د. سعيد اللاوندي ١٥/ ١٠/ ٢٠٠٨
ذكرت في الأسبوع الماضي أنني (قبلت التحدي) وركبت السيارة بجوار رجل الأعمال المصري (الهارب) أشرف السعد لزيارته في منزله الذي يبعد عن مدينة باريس نحو ٣٠ كيلومتراً.. وفي الطريق دار الحوار حول سبب غضب الحكومة المصرية عليه (فجأة) بعد أن كانت العلاقة بينهما عسلاً مُصّفي.
* * *
قلت لأشرف السعد، لم أفهم كيف كانت رغبتك في شراء هيئة النقل العام (في القاهرة) سبباً في إفساد علاقتك بالسلطة… فأجاب: بعد أن وافق (الكبار) علي ذلك، وبدأنا نبحث جدياً إمكانية إتمام عملية الشراء، عرفت أن (أحدهم) همس (هذه أعلي سلطة في مصر) محذراً من إتمام عملية البيع، وقال: هذه الحالة سيكون أمننا واستقرارنا (وبقاؤنا) في السلطة رهن إشارة أشرف السعد، وشرح موضحاً:
لأشرف (مثلاً) أن يأمر الموظفين والعاملين والسائقين في الهيئة أن يقوموا بعمل (إضراب) عام لأمر ما.. وهنا سيكون الوضع خطيراً، لأن الجماهير الذاهبة إلي عملها ستكون - وأعدادها بالآلاف، إن لم تكن بالملايين، - وقوفاً في الميادين الكبري مثل التحرير، والعباسية، والعتبة، وقد يندس بينهم من يثير حفيظتهم أو يطلق شعاراً خبيثاً، أو يحدثهم في أمور حياتهم الصعبة كالغلاء وارتفاع الأسعار أو البطالة، وتدني الرواتب.. إلي آخره، فتنطلق شرارة، وتتحول القاهرة إلي مرجل يغلي ويفور.
ويعلق أشرف السعد علي ذلك بقوله (دون أن تغادره ابتسامته): إن أمراً كهذا لا يمكن أن يخطر ببالي، لكنهم تخوفوا من خصخصة قطاع النقل العام في القاهرة.. فانتهت القصة، لكن تخوفهم لم ينته، وبدأت الشكوك تدب في أوصالهم وحالة التوجس من نواياي، وتحركاتي ومشاريعي أصبحت قاعدة عامة، وهكذا وجدت حياتي أصبحت جحيماً، فقررت أن أترك الجمل بما حمل وأهرب بجلدي!
إلي هذا الحد كنا وصلنا إلي مقر إقامة أشرف السعد وبعد أن هبط (السائق عطا) ليفتح البوابة الحديدية السوداء، وجدتني أمام فيلا جميلة وأنيقة وصغيرة، تتكون من طابقين يحيطها حديقة بديعة يتوسطها حمام سباحة.
وهنا لمح أشرف أمارات الاستحسان في عيني فضحك وقال: إنها فيللا متواضعة! قلت علي الفور: إنها جميلة هادئة.. متي اشتريتها، هل قبل هروبك من مصر أم بعد أن هربت فعلاً؟
أشرف كان طوال حديثي معه مبتسماً، ويبدو هادئ الأعصاب واثقاً من نفسه.. وبعد أن فكر في سؤالي أجابني، وهو يحرّك يديه - وهذه عادة عنده - في الفراغ أمامه وحوله، وقال: يخيل إلي أنك تستكثر علي هذه الفيلا، وكذلك السيارة التي ركبناها معاً، والسيارة الأخري الموجودة داخل الجراج..، اسمح لي أن أذكرك بأن الشخص الذي يقف أمامك تجري بين أصابعه كميات المسبحة.. وبالتالي فهذه الفيلا هي ـ بالفعل ـ متواضعة كثيراً بالنظر إلي ما كنت أملكه من أموال بين يدي.
قلت في شبه تحد.. لكن ما كان بين يديك لم يكن مالك، وإنما هو مال قطاعات كبيرة من الشعب المصري.. أليس كذلك؟
أجابني، وكنا وقوفاً علي حافة حمام السباحة: إنني لم أضرب أحداً علي يديه.. هم الذين جاءوا، وكانوا يقفون بالساعات في الطوابير لإيداع أموالهم عندي.
سألته: إذن أنت تري أن شركات توظيف الأموال، التي كنت أحد أكبر رموزها، لم تضر بالاقتصاد المصري؟ أجاب ضاحكاً في مرح كطفل: أبداً لم تكن ضارة، لكنها يا سيدي نجحت فيما فشلت فيه الحكومة.. ولأن النظام اعتبرها أداة تعرية له وفاضحة لعجز حكومته، كان لابد أن يناصبها العداء، ويفعل بها ما فعل بعد أن شرد وشتت وسجن أصحابها.
دخلنا إلي الصالون، الذي كان يملأ صالة واسعة تتصدرها شاشة تليفزيونية عملاقة، وتتبعثر في الأركان وسائد تشكل في مجموعها «قعدة بلدي» أو عربي، كثيراً ما كان أشرف السعد يرتبها بنفسه لينام أو ليتكئ عليها أثناء جلوسه مع أصدقائه..
وبعد أن خلع ملابسه وارتدي الجلباب ذهب إلي المطبخ، ليقوم بإعداد الطعام بنفسه بمساعدة «عطا».. وعندما لاحظت بنيان جسمه، الذي يميل إلي العملقة سألته: هل كنت تعمل فعلاً «شيالاً أو حمالاً» في سوق اللحوم الموجود في السوق الكبير المعروف باسم سوق الرنجيس! أجابني مبتهجاً، وقال: أنا كنت أحسن شيال في السوق.. أحمل علي كتفي اليمني، وكتفي اليسري حوالي نصف عجل من الوزن الثقيل.
وبعد لحظة قصيرة أضاف: الشغل ليس عيباً، ولاأزال تربطني علاقة بالباترون ـ أي صاحب العمل ـ وهو يهودي فرنسي يشاركه في العمل يهودي عربي من شمال أفريقيا.. واستطرد يقول: علي العموم لقد عملت بشرف وأمانة، لذلك رزقني الله رزقا واسعاً.
وعلي مائدة الطعام، التي افترشناها في الأرض وبعد استحسان تذوق اللحمة والمكرونة، قلت لأشرف: هل أنت مُستعد للذهاب معي إلي القنصلية المصرية، لتوقيع بعض الأوراق التي يمكن أن تساعد المدعي العام في مصر في عمله وإنهاء عمليات البيع، لكي يسترد الناس أموالهم.. أجاب أشرف، وهو شارد هذه المرة،
وقال: رجلي علي رجلك، أنا مُستعد، لكن ما أخشاه أن تباع الأصول بأسعار زهيدة.. فأرجو أن تعلم أن المبالغ المطلوب سدادها يكفي أن نبيع من أجلها ربع الأصول.. لكن ما أسمعه هو أن هناك سرقات وترتيبات محزنة ومخزية «نتابع في الأسبوع القادم
بقلم د. سعيد اللاوندي ١٥/ ١٠/ ٢٠٠٨
ذكرت في الأسبوع الماضي أنني (قبلت التحدي) وركبت السيارة بجوار رجل الأعمال المصري (الهارب) أشرف السعد لزيارته في منزله الذي يبعد عن مدينة باريس نحو ٣٠ كيلومتراً.. وفي الطريق دار الحوار حول سبب غضب الحكومة المصرية عليه (فجأة) بعد أن كانت العلاقة بينهما عسلاً مُصّفي.
* * *
قلت لأشرف السعد، لم أفهم كيف كانت رغبتك في شراء هيئة النقل العام (في القاهرة) سبباً في إفساد علاقتك بالسلطة… فأجاب: بعد أن وافق (الكبار) علي ذلك، وبدأنا نبحث جدياً إمكانية إتمام عملية الشراء، عرفت أن (أحدهم) همس (هذه أعلي سلطة في مصر) محذراً من إتمام عملية البيع، وقال: هذه الحالة سيكون أمننا واستقرارنا (وبقاؤنا) في السلطة رهن إشارة أشرف السعد، وشرح موضحاً:
لأشرف (مثلاً) أن يأمر الموظفين والعاملين والسائقين في الهيئة أن يقوموا بعمل (إضراب) عام لأمر ما.. وهنا سيكون الوضع خطيراً، لأن الجماهير الذاهبة إلي عملها ستكون - وأعدادها بالآلاف، إن لم تكن بالملايين، - وقوفاً في الميادين الكبري مثل التحرير، والعباسية، والعتبة، وقد يندس بينهم من يثير حفيظتهم أو يطلق شعاراً خبيثاً، أو يحدثهم في أمور حياتهم الصعبة كالغلاء وارتفاع الأسعار أو البطالة، وتدني الرواتب.. إلي آخره، فتنطلق شرارة، وتتحول القاهرة إلي مرجل يغلي ويفور.
ويعلق أشرف السعد علي ذلك بقوله (دون أن تغادره ابتسامته): إن أمراً كهذا لا يمكن أن يخطر ببالي، لكنهم تخوفوا من خصخصة قطاع النقل العام في القاهرة.. فانتهت القصة، لكن تخوفهم لم ينته، وبدأت الشكوك تدب في أوصالهم وحالة التوجس من نواياي، وتحركاتي ومشاريعي أصبحت قاعدة عامة، وهكذا وجدت حياتي أصبحت جحيماً، فقررت أن أترك الجمل بما حمل وأهرب بجلدي!
إلي هذا الحد كنا وصلنا إلي مقر إقامة أشرف السعد وبعد أن هبط (السائق عطا) ليفتح البوابة الحديدية السوداء، وجدتني أمام فيلا جميلة وأنيقة وصغيرة، تتكون من طابقين يحيطها حديقة بديعة يتوسطها حمام سباحة.
وهنا لمح أشرف أمارات الاستحسان في عيني فضحك وقال: إنها فيللا متواضعة! قلت علي الفور: إنها جميلة هادئة.. متي اشتريتها، هل قبل هروبك من مصر أم بعد أن هربت فعلاً؟
أشرف كان طوال حديثي معه مبتسماً، ويبدو هادئ الأعصاب واثقاً من نفسه.. وبعد أن فكر في سؤالي أجابني، وهو يحرّك يديه - وهذه عادة عنده - في الفراغ أمامه وحوله، وقال: يخيل إلي أنك تستكثر علي هذه الفيلا، وكذلك السيارة التي ركبناها معاً، والسيارة الأخري الموجودة داخل الجراج..، اسمح لي أن أذكرك بأن الشخص الذي يقف أمامك تجري بين أصابعه كميات المسبحة.. وبالتالي فهذه الفيلا هي ـ بالفعل ـ متواضعة كثيراً بالنظر إلي ما كنت أملكه من أموال بين يدي.
قلت في شبه تحد.. لكن ما كان بين يديك لم يكن مالك، وإنما هو مال قطاعات كبيرة من الشعب المصري.. أليس كذلك؟
أجابني، وكنا وقوفاً علي حافة حمام السباحة: إنني لم أضرب أحداً علي يديه.. هم الذين جاءوا، وكانوا يقفون بالساعات في الطوابير لإيداع أموالهم عندي.
سألته: إذن أنت تري أن شركات توظيف الأموال، التي كنت أحد أكبر رموزها، لم تضر بالاقتصاد المصري؟ أجاب ضاحكاً في مرح كطفل: أبداً لم تكن ضارة، لكنها يا سيدي نجحت فيما فشلت فيه الحكومة.. ولأن النظام اعتبرها أداة تعرية له وفاضحة لعجز حكومته، كان لابد أن يناصبها العداء، ويفعل بها ما فعل بعد أن شرد وشتت وسجن أصحابها.
دخلنا إلي الصالون، الذي كان يملأ صالة واسعة تتصدرها شاشة تليفزيونية عملاقة، وتتبعثر في الأركان وسائد تشكل في مجموعها «قعدة بلدي» أو عربي، كثيراً ما كان أشرف السعد يرتبها بنفسه لينام أو ليتكئ عليها أثناء جلوسه مع أصدقائه..
وبعد أن خلع ملابسه وارتدي الجلباب ذهب إلي المطبخ، ليقوم بإعداد الطعام بنفسه بمساعدة «عطا».. وعندما لاحظت بنيان جسمه، الذي يميل إلي العملقة سألته: هل كنت تعمل فعلاً «شيالاً أو حمالاً» في سوق اللحوم الموجود في السوق الكبير المعروف باسم سوق الرنجيس! أجابني مبتهجاً، وقال: أنا كنت أحسن شيال في السوق.. أحمل علي كتفي اليمني، وكتفي اليسري حوالي نصف عجل من الوزن الثقيل.
وبعد لحظة قصيرة أضاف: الشغل ليس عيباً، ولاأزال تربطني علاقة بالباترون ـ أي صاحب العمل ـ وهو يهودي فرنسي يشاركه في العمل يهودي عربي من شمال أفريقيا.. واستطرد يقول: علي العموم لقد عملت بشرف وأمانة، لذلك رزقني الله رزقا واسعاً.
وعلي مائدة الطعام، التي افترشناها في الأرض وبعد استحسان تذوق اللحمة والمكرونة، قلت لأشرف: هل أنت مُستعد للذهاب معي إلي القنصلية المصرية، لتوقيع بعض الأوراق التي يمكن أن تساعد المدعي العام في مصر في عمله وإنهاء عمليات البيع، لكي يسترد الناس أموالهم.. أجاب أشرف، وهو شارد هذه المرة،
وقال: رجلي علي رجلك، أنا مُستعد، لكن ما أخشاه أن تباع الأصول بأسعار زهيدة.. فأرجو أن تعلم أن المبالغ المطلوب سدادها يكفي أن نبيع من أجلها ربع الأصول.. لكن ما أسمعه هو أن هناك سرقات وترتيبات محزنة ومخزية «نتابع في الأسبوع القادم