قصةالسعد
 
المركز المالى لشركه السعد

 

نرجوا من الجميع عدم التعدى بالألفاظ الخارجه فى كتابتهم على صفحات المنتدى وأحترام كل الأراء لكل المشاركين هام

البريد الرسمى لإدارة موقع ومنتدى أشرف السعد هو alsaadnews@alsaadnews.com يعمل على الماسنجر هوت ميلalsaadnews@yahoo.com| alsaadnews@skype m ولا يتم التعامل مع أى بريد أخر. فنحذر من ذلك وليس علينا أى مسؤليه لو تعامل أى من الأعضاء مع أى بريد أخر وأى بريد أخر لا يمثل الإداره إطلاقا وأيضا رقم الجوال الخاص بإداره الموقع من داخل مصر 01270317550 من خارج مصر 0201270317550 التواصل مع اداره المنتدى

آخر 20 مواضيع أشرف السعد ينشر دعاء للرئيس السيسي يعود إلى 3 يوليو!! (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 1 - )           »          الإيبولا ،،، الخطر العظيم القادم لا محالة (الكاتـب : - مشاركات : 0 - )           »          الرئيس الاسبق حسني مبارك يتصل ب اشرف السعد هاتفيا : مداخلة السعد مع الابراشي كامله (الكاتـب : - مشاركات : 1 - )           »          محطات اشرف السعد (الكاتـب : - مشاركات : 0 - )           »          سياسة وافلام2 (الكاتـب : - مشاركات : 0 - )           »          عيد أضحى مبارك للجميع (الكاتـب : - مشاركات : 4 - )           »          مطعم نعمة فى القاهرة........... من يعرفه (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 2 - )           »          آن الأوان لمراجعة نفسي (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 1 - )           »          شركة نزيه للخدمات الاستشارية تجربة سفر لا تنسى (الكاتـب : - مشاركات : 0 - )           »          مطار برج العرب (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 6 - )           »          For sale brand new Apple iphone 5s 32Gb Unlocked cost $600USD (الكاتـب : - مشاركات : 0 - )           »          مخ.. (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 3 - )           »          ليباوى فى القاهرة بعد رحلة أغرب من الخيال (الكاتـب : - مشاركات : 30 - )           »          السمآ مخرومه ياجدعاان!!! (الكاتـب : - مشاركات : 4 - )           »          حَزِنَ الْعِرَاْقُ وَنُكِّسَتْ أَعْلاْمُ (الكاتـب : - آخر مشاركة : - مشاركات : 20 - )           »          أنا آسف يا حاج أحمد الريان (الكاتـب : - مشاركات : 63 - )           »           السيسي يمنح الدكتوراه الفخرية لخادم الحرمين والقافله تسير والذئاب تعوي (الكاتـب : - مشاركات : 6 - )           »          مرسي ايام شبابه ( فيديوهات نادره لبسلامتو ) كلها تناقضات وكذب (الكاتـب : - مشاركات : 17 - )           »          اشرف السعد يعلم البط السمع والطاعه في مزرعته الجديده (الكاتـب : - مشاركات : 2 - )           »          بالفيديو ثوره دى ولا انكلاب :محشى دا ولا كباب ( مؤامرة 25 يناير بالفبدبو ) (الكاتـب : - مشاركات : 18 - )


 
العودة   منتديات أشرف السعد > مجموعه أقسام الأخبار والمقالات > قسم موضوعات ومعلومات
 

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
#1  
قديم 13-02-2010, 02:18 AM
عضو ماسي
المهاجر غير متواجد حالياً
لوني المفضل Darkred
 رقم العضوية : 561
 تاريخ التسجيل : Aug 2009
 فترة الأقامة : 1882 يوم
 أخر زيارة : 06-10-2014 (05:35 PM)
 المشاركات : 2,441 [ + ]
 التقييم : 56
 معدل التقييم : المهاجر سيصبح متميزا في وقت قريب
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي شرح البردة



بسم الله الرحمن الرحيم
٢١
َأمِ  ن ت َ ذكُّرِ جِ  يرانٍ بِذِي  سَلمِ م  زج  ت  د  معًا  ج  رى مِ  ن مقْلَةٍ بِ  دمِ ١
َأ  م  هبتِ ال ري  ح مِ  ن تِلَْقاءِ َ كاظِ  مةٍ  وَأوم  ض اَلبر  ق فِي الظَّْل  ماءِ مِ  ن إِ  ضمِ ٢
1 ج  رد الناظم من ذاته الطريحة في معركة الهوى ذاتا أخرى مبالغة في صفة الحب
وتجرع غصصه وكثرة البكاء وخاطبها خطاب مستفهم عن سببه مرتكبا مطية الشك
التي هي من ملح الشعر وطرف الكلام ناسجا كلامه بذينك الأمرين .
وإن مزج الدمع بالدم كناية عن كثرة البكاء .
وحاصل معنى البيت الاستفهام عن كون ذكر الأحبة النازلين بذي سلم سببا لكثرة
البكاء لصلوحيته لذلك أما تراه يمثل منازل الحبيب ويثير الشوق وما خمد من لهيب
فتحن النفس إلى عهود متقادمة ويضاعف تحسرها على ما فات من زفراا المتراكمة.

2 والمعنى أمن ذكرك باختيارك أم من ذكرك هبوب الرياح ولمع البرق مزجت
الخ.وهذا وجه آخر لاختيار صيغة التفعل فيما تقدم وذلك أن هبوب الريح ولمع البرق
من نواحي الأحبة إنما يوجبان البكاء من حيث أما يثيران الذكر وينبهان القلب من
غفلته أما هما في ذاما بلا نظر لما يترتب عليهما من ذلك فلا يظهر لهما وجه في
البكاء وسيتضح ذلك بالشواهد .
قالوا والريح إذا أفرد كان للشر ، وإذا جمع كان للخير إلا لقرينة ، وعليه استعمال
القرآن ،ولذا كان عليه الصلاة والسلام إذا رأى ريحا قال اللهم اجعلها رياحا لا
ريحا قالوا ولذا أفردها الناظم لأا هيجت أحزانه وفيه نظر . وتلقاء كاظمة :ناحيتها
وهي موضع بقرب المدينة المشرفة .

٢٢
َف  ما لِعيني  ك إِ ْ ن ُقلْ  ت ا ْ كُفَفا  ه  متا  وما لَِقْلبِ  ك إِ ْ ن ُقلْ  ت استفِق يهِمِ ٣
3 الفاء الفصيحة لإفصاحها وإنبائها عن مقدر هو : إن لم يكن لك حب وشوق
يهيجه التذكار فما لعينيك ...الخ.
والمعنى إن لم تكن ذا حب فأي سبب قضى بعدم تمكنك من الكف عن الدمع وإفاقة
القلب وبانعكاس إرادتك من قبلك وجوارك وما ذاك إلا لذي سطوة وسلطان وما هو
إلا الحب فإنه غالب كل غالب.
وخص ظهور سلطانه بالعين والقلب لأن أثره التام ما .
وفي ذلك سر لطيف فإن سبب الحب في الغالب النظر ومنه ينساق حسن المنظور إليه
إلى القلب فيشتغل بالتفكير في لطف شمائله إلى أن يسطو الحب على القوى ويذكو
حر الصبابة والجوى .
فجعل الهيمان والهيام عقوبة لهما على ما تسببا فيه وقد صرح بذلك بعض في
البكاء فقال:
لأعذبن العين غير مفكر فيها جرت بالدمع أو سالت دما
ولأهجرن من الرقاد لذيذه حتى يعود على الجفون محرما
سفكت دمي فلأسفحن دموعها وهي التي ابتدأت فكانت أظلما
وفي البيت نوع من أنواع المذهب الكلامي وهو إفحام السائل بذلك السؤال حيث لا
يجد منه مخلصًا إلا الإقرار بالحب.

٢٣
َأيح  سب ال  ص  ب َأنَّ الحُ  ب من َ كتِم ما بي  ن من  سجِمٍ مِنه ومض َ طرِمِ ٤
4 لما كان الغرض من البيت السابق إفحام المسؤول ليرتدع عن إنكاره بين له في
هذا البيت أنه لا يتأتى لذي صبابة مثله الإنكار مع هميان الدمع وهيام القلب إذ لا
يستتر ما أنكره بين منسجم من الدمع ومضطرم من القلب ، وفيه إشارة إلى تقريعه
الخ . والصب من  فكيف تنكر حبًا  على ذلك الإنكار كما سيصرح به في قوله
الصبابة وهي رقة الهوى كما في القاموس . والمنكتم المستتر . والانسجام السيلان.
والاضطرام الالتهاب.
وأما الحب فهو في اللغة صفاء المودة وبمعناه صفاء الحال بين الحبيب وحبيبه وأما عند
الحكماء فقال بقراط هو امتزاج النفس بالنفس كالماء بمثله والنفس ألطف من الماء
وأرق مسلكًا فلذا لا يزيله مر الليالي دق عن الأوهام مسلكه وخفي عن الأبصار
موضعه وحارت العقول دون كيفية تمكنه غير أن ابتداء حركته وعظم سلطانه من
القلب ثم يعم الأعضاء فتبدو رعدة الأطراف وصفرة الألوان ولجلجة الكلام وضعف
الرأي وثقل اللسان حتى ينسب صاحبه إلى النقص. اه. فإن اشتد ذلك كان عشقًا
غير أنه في الغالب مقرون بالشهوة.
ثم الحب له أقسام:
أعلاها قدرا حب الله ورسوله وعلامته فعل المأمورات واجتناب المنهيات واتباع
السنة كما هو مبين في كتب الأحاديث وهذا حب العامة من المؤمنين لحديث: "لا يؤمن
أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" وفي حديث أخر "ثلاث من
كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب
المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار."
اه. وحب الخاصة مشروح في كتب القوم ،ومثاله ما قيل مواطأة القلب بمرادات
٢٤
الرب وقال بعض العارفين: الحب أوله يحبهم وآخره يحبونه وبينهما مهج تذوب
وأرواح تطير إلى المحبوب . وأعلى من ذلك حب خواص الخواص المشار إليه بقول
بعضهم الحب فناء المحب في بقاء المحبوب ومعناه أن لا يشاهد في الوجود سوى الذات
العلية وهو مقام الفناء عندهم .
القسم الثاني من أقسام الحب حب العبد لا لغرض وانتفاع بل لله وعلامته أن لا
يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء نقله الشهاب الخفاجي عن ابن معاد وهو ممدوح شرعًا
لحديث "سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في
طاعة الله ورجل تعلق قلبه بالمساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه
ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة
( فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه." ( ١
القسم الثالث العشق مع التعفف وكف النفس وهو ممدوح أيضًا لما روي عن ابن
عباس  رضِ  ي اللهُ  عنهما أن رسول الله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م قال :"من عشق فعف فكتم
( فمات فهو شهيد." ( ٢
القسم الرابع: المذموم شرعًا وعق ً لا وهو الحب مع اتباع الهوى الموجب للنقص
والدناءة.
واعلم أن مراتب الحب كثيرة الأولى الهوى ، والثانية العلاقة وهي الحب اللازم،
والثالثة الكلف وهو شدة الحب ،والرابعة العشق ،والخامسة اللوعة واللاعج وهو
إحراق الحب للقلب مع لذة يجدها المحب ،والسادسة الشغف وهو أن يبلغ الحب شغف
القلب
٢١١/ ١٤٤ – شرح النووي على صحيح مسلم ١٢ / ١) فتح الباري ٢ )
(٢٥٣٨ -٣٤٥/ ٢) أخرجه الحاكم في تاريخ نيسابور ، والخطيب في تاريخ بغداد (كشف الخفاء ٢ )
٢٥
َل  وَلا ا َ له  وى َل  م ترِ  ق  د  معًا  عَلى طَلَلٍ  ولا َأرِقْ  ت لِذِكْرِ البانِ  والعَلمِ ٥
 ولا َأ  عارت  ك َل  ون  ي  عب رةٍ  و  ضنى ذِ ْ ك  رى الْخِيامِ  وذِ ْ ك  رى ساكِنِي الْخِيمِ ٦
أي جلدته ،والسابعة الجوى وهو الهوى الكامن ،والثامنة التتيم وهو أن يستعبد
الحب صاحبه ومنه تيم الله أي عبد الله ،والتاسعة التبل وهو فناء المحب بالهوى،
والعاشرة التوله وهو ذهاب العقل والأخيرة الهيام وهو تمام الحيرة وانعدام العقل
والحواس فيلحق صاحبه باانين .
5 معنى البيت أنك لو لم تكن ذا هوى لما أرقت دمعك على جسمك البالي. ولما
مزقت بالأرق ديباج الليالي لكنك أرقت وأرقت فأنبأت عن وجد متقادم وهوى
متراكم وإنما كان الأرق ناشئًا عن الذكر لأنه يوجب كما تقدم مضاعفة الحرارة .
هذا وقد سلك الناظم بالبيت طريقة عربية بدوية فحسن له عطف العلم على البان
لاجتماعهما في خيال سكان الخيام وإن لم يكونا كذلك عند أرباب الحاضرة.

6 ومعنى البيت لولا الهوى لم تعرك ذكر الخيام وساكنيها حمرة الدمع وصفرة
الضنى . ومن البين أنه لا حقيقة للإعارة في المقام فإما أن يقال شبه إثارة الذكرى لمزج
الدمع بالدم وللضنى وصفرته بالإعارة بجامع أن ك ً لا يوجب حصول الشيء لا على
وجه الاستقرار فتكون في الفعل تبعية ،أو يقال : شبه الهيئة المنتزعة من إثارة
الذكرى لهما بالهيئة المنتزعة من إعارة المعير للشيء واستعمال اللفظ الموضوع
للثاني في الأول على طريقة التمثيل ،والغرض من الاستعارة التنبيه على عدم أصالة
اللونين فيه فيتم ما الاستدلال وعلى شدة تأثير الذكرى فيهما حتى كأما من
٢٦
َف َ كي  ف تنكِر حبًا بع  د ما شهِ  دت بِهِ  عَلي  ك ع  دو ُ ل ال  دمعِ وال  سَقمِ ٧
 وَأثْب  ت اْل  و  ج  د  خطَّ  ي عب رةٍ  و  ضنى مِثْ َ ل الب  هارِ  عَلى خ  دي  ك والْعنمِ ٨
أملاكها وعلى أن حمرة الدمع وصفرة الضنى مما يتزين ما المحب كما هو الشأن في
الخ. وعليها فالإضافة إضافة مشبه إلى  ثوبي عبرة  المستعار .وفي رواية عن المصنف
مشبه به بجامع الاشتمال.
وفي الجمع بين ذكرى الخيام وذكرى الساكنين وإعادة المضاف مع الثاني إيماء إلى أن
لذات ديار الأحبة نصيبًا من الحب لأا مطالع شموس المودة. قال المناوي في شرح
الجامع الصغير علامة صدق المحبة أن يحب كل ما ينسب إلى المحبوب. اه.

7 كيف استفهام تعجبي . والإنكار ضد الاعتراف . وشهدت بمعنى أخبرت من
شهد عند القاضي إذا أخبر بما يعتقد في حق المشهود له وعليه وعدول جمع عدل
وأصله المصدري ضد الجور .
والسقم المرض وهو في البيت بفتحتين ويضم أوله ويسكن ثانيه .
والمعنى كيف يتأتى لك إنكار الحب وقد قام بأعبائه شاهدان لا ترد شهادما في شرعة
الهوى هما الدمع والسقم .

8 الوجد الحزن وخطي تثنية خط وهو معروف والبهار ورد أصفر. وفي مفردات
الفاسي نق ً لا عن الصقلي أنه النرجس البستاني. والعنم شجرة حجازية لها ثمرة حمراء
٢٧
نع  م  س  رى َ طيف م  ن َأ  ه  وى َفَأرَقنِي  والْح  ب ي  عترِض الَّلذَّاتِ بِالأََلمِ ٩
تشبه البنان المخضوب كذا في القاموس والمراد بالخطين الأثر الناشئ عن كل من العبرة
والضنى فأثر الأول جراحات الخد بكثرة جريان الدمع عليها وأثر الثاني صفرته.
ومعنى البيت أن الحزن أثبت ذينك الخطين على الخد تتميما لشهادة الدمع والسقم
كما يفعل الحاكم بوثائق الشهادة دلالة على قبولها وثبوت الحق ا وقد أجاد في
ذلك كل الإجادة وناسب بين البيتين غاية المناسبة.

9 كلمة نعم حرف أفاد التصديق فيما ادعاه السائل من كون المسؤول ذا هوى .
وسرى وأسرى بمعنى سار لي ً لا فحدثه خاص بالليل . والطيف الخيال في النوم ويعترض
بمعنى ينقص . واللذة والألم من الكيفيات الوجدانية ،فاللذة إدراك ونيل لوصول ما هو
كمال وخير عند المدرك من حيث أنه كمال وخير ، والألم إدراك ونيل لوصول ما هو
آفة وشر عند المدرك من حيث أنه آفة وشر. وجمع بين الإدراك والنيل لأن مجرد
الإدراك الذي هو حصول مثالي لا يوجب لذة ولا ألمًا ونيله من غير إدراك وصوله
لا يحصل به شيء منهما.
ومعنى البيت أنه سرى طيف من هويته فأيقظني فرحا به فتبين أنه أمر خيالي وثار الحزن
والتفكر وحصل الأرق وكذا عادة الحب ينقص اللذة بالألم ويمنعها وقد منع لذة
الخ. جاريًا  والحب  الوصول الخيالي واستبدلها بالأرق والحزن . وقد أتى بقوله
مجرى المثل متضمنا لكون الحب ذلك ديدنه فيتسلى به المحب بعض تسل.

٢٨
يا َلائِمِي فِ  ي اْل  ه  وى الْعذْرِ  ي معذِ  رًة مني إَِلي  ك  وَلو َأن  صفْ  ت َل  م تُلمِ ١٠
10 اللائم العاذل وبمعناهما اللاحي والعذري نسبة إلى بني عذرة قبيلة من العرب
تنسب إلى عذرة بن سعد بن هذيم بن زيد بن كعب بن سود بن أسلم بن الحرث بن
قضاعة وكان لهذه القبيلة في الحب شأن عظيم وشهرة طبقت الآفاق والك خارج
عن المعتاد في أوان الصبا وزمن الشبيبة أفضى م إلى سكنى القبور واختصوا ذا الأمر
وصار شعارًا لهم حتى قال بعض شعرائهم:
إذا خلص العذري من ميتة الهوى فذاك ورب العاشقين دخيل
والإنصاف العدل.
ومعنى البيت أيها اللائم في الهوى الذي لا يمكن زواله وانفصاله إني أعذرك
عذرًا مني إليك بجهلك حقيقة الهوى وعدم مكابدتك الشوق والجوى،ومع ذلك لو
ارتكبت طريقة الإنصاف والعدل لم تلم فإن من غلب عليه الشوق والهيام ،وصارت
حاله بين انسجام واضطرام لا يخاطب بالملام .
وفي وصف الهوى بكونه عذريًا المكنى به عن عدم زواله _كما بينا_ إيماء إلى وجه
عدم الإنصاف في اللوم لأنه إذا علم أن الحب لا يزول فلا معنى للوم فيه . وفي قوله
الخ. إشارة إلى أن لومه فضول من حيث اشتغاله ببلية غيره وما لا  لو أنصفت 
يعود عليه منه ضرر فإن ضرر المحب على نفسه . واللوم من لوازم الحب غالبًا وسببه
في الغالب دخل في قلب اللائم إما من جهة المحب وإما من جهة المحبوب . وقد يكون
رد الرأفة بالمحب إلا أنه ملحق بالأول في الكراهة عنده لما فيه من معارضة الصبابة
ومضاعفتها . وقد يستعذب لما يتضمنه من ذكر الحبيب فترتاح إليه نفس المحب .

٢٩
 ع  دت  ك  حالِ  ي لا سِ ري بِ  مستتِرٍ  عنِ الْو  شاةِ  ولا  دائِي بِ  منحسِمِ ١١
م  ح  ضتنِي النص  ح َلكِن َلس  ت َأس  معه إِنَّ الْمحِ  ب  عنِ اْلعذَّالِ فِ  ي ص  ممِ ١٢
11 عدتك: جاوزتك وهو كناية عن عدم الإصابة .والحال: ما عليه الإنسان من
خير وشر .والسر: ما يكتم كالسريرة وجمع الأول أسرار والثاني سرائر .ومستتر
مغطى من سترت الشيء غطيته .والوشاة جمع واش وهو النمام الذي ينقل الحديث
للإفساد بين الناس سمي بذلك لأنه يشي كلامه أي يزينه ليقبل منه .وأصل الداء المرض
وقد كثر استعماله في البلية مطلقًا ،والحمل عليه هنا أولى .والمنحسم المنقطع من
الحسم بمعنى القطع ، ومنه الحسام للسيف القاطع.
ومعنى البيت أن حالي بينة لمن الشان المبالغة في الإخفاء عنه وهو الواشي فإنه لاستراقه
السمع ليدخل به بين المحب وحبيبه يكون أهم غرض المحب التحفظ من اطلاعه على
ظاهر حاله فإذا بلغ بي الأمر إلى أن أطلع الوشاة على خفيات أسراري فقد اتسع
الخرق على الراقع ،ولم يبق لسلطان صبابتي مدافع ،وتبين أن هواي لا ينحسم داؤه
ولا ينجح لطبيبه دواؤه كما هو شأن الهوى العذري ، فلم يكن لومي حينئذ من
الإنصاف .

12 محض الشيء وأمحضه :أخلصه ،ومنه المحض للبن الخالص الذي لا ماء فيه.
والنصح كالنصيحة ضد الغش مصدر نصح ،وتعديته باللازم أفصح ."ولست
أسمعه" كناية عن عدم القبول ،والصمم سدد في الأذن ومنه صمام لما تسد به يقال
صممتها بمعنى سددا وأصممتها جعلت لها صماما قال الخليل وسمي رجب بالأصم
٣٠
إِني ات  همت نصِي  ح ال  شيبِ فِ  ي  ع َ ذلِي  وال  شي  ب َأبعد فِ  ي نصحٍ عنِ الت  همِ ١٣
لأنه لا يسمع فيه صوت مستغيث ولا حركة قتال ولا قعقعة سلاح لأنه من الأشهر
الحرم والمعنى أخلصت لي نصحك أيها العاذل ولكني لا أسمعه لأني محب وكل محب في
صمم عن العذال .
والمعنى أنا محب وكل محب شأنه ذلك وأتى بالقضية العامة فقال :"إن المحب" ولم يقل
"أنا"جنوحًا إلى تقوية الحكم وكونه ضابط كلية وبه يعلم أن لا التفات فيه كما زعموا.
وقد تلطف في قوله "في صمم" الخ حيث جعل الصمم كالحصن يدخله المحب
للسلامة من العذال .

13 المعنى أني استربت الشيب في نصحه والحال أنه بعيد من الاام فكيف حال من
هو أهل للاام من العذال فإن لهم أعراضًا بينة تحملهم على العذل ومعنى اامه
يتوقف على بيان نصحه فنقول أنه إذا حل الشيب أمر لسان حاله بالإقلاع عن
الملاهي وإتباع أحوال الشيبة ومقتضى حرارة الفتوة لبعد التناسب وعدم الملاءمة .
ولذلك ورد في الحديث الشريف "خير شبابكم من تشبه بكهولكم وشر كهولكم من
تشبه بشبابكم" ( ١) وآذن بضعف القوى وقرب المنية والارتحال الموجب لاشتغال
النفس اليقظى وبالتزود من التقوى والأعمال الصالحة والندم على الفائت وإن شئت
ر  ب إِني وه  ن  يقينًا في ذلك فانظر ما يحكيه علت كلمته عن زكريا عليه السلام
واعلم أن الشيب نور .  اْلع ْ ظ  م مِني واشتع َ ل ال رأْ  س  شيبًا  وَلم َأ ُ ك  ن بِ  دعائِ  ك ر  ب  شقِيًا
( للمؤمن يوم القيامة لحديث "من شاب شيبة في الإٍسلام كانت له نورًا يوم القيامة"( ٢
٢٠٢ -٨٣/ ١) المعجم الكبير للطبراني ٢٢ )
٢٩٨٣ -٢٥١/ ٢) صحيح ابن حبان ٧ )
٣١
َفإِنَّ َأما  رتِي بِال  سوءِ ما اتع َ ظ  ت مِ  ن  ج  هلِ  ها بِنذِيرِ ال  شيبِ والْ هرمِ ١٤
وعن أنس  رضِ  ي اللهُ  عنه أنه قال قال رسول الله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م: "قال الله تعاَلى
وعزتي وجلالي وفاقة خلقي إلي إني لأستحي من عبدي وأمتي يشيبان في الإسلام أن
أعذما ثم بكى  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م فقيل له ما يبكيك يا رسول الله فقال أبكي ممن
. ( يستحي الله منه وهو لا يستحي من الله" ( ١

14 الأمارة فعالة من الأمر والمراد ا النفس من حيث ميلها للشهوات واتباع
الهوى وأصله أن النفس التي هي حقيقة المشار إليه بقولك أنا لطيفة ربانية
روحانية لها تعلق بالقلب وهي المسماة بالروح الروحاني _على رأي _ تنقسم
يا   باعتبار أحوالها إلى أقسام ثلاثة :أعلاها المطمئنة المخاطبة في قوله عز اسمه
وحالتها أن تسكن تحت الأمر  َأيت  ها الن ْ ف  س الْمطْ  مئِنةُ ا  رجِعِي إَِلى  ربكِ راضِيًة مرضِيًة
وتثبت لها العصمة من المعاصي بسبقية السعادة من الله تعاَلى . وتليها اللوامة المقسم
وحالتها ألا  لا أُقْسِم بِيومِ الْقِيامةِ  ولا أُقْسِم بِالنفْسِ اللَّ  وامةِ  ا في قوله جل ثناؤه
يتم لها السكون وأن تكون مانعة للشهوات راجعة على نفسها بالملام إذا وقعت في
مخالفة بسابق القضاء . وأدنى الأقسام الأمارة وحالتها أن تذعن لأمر الشهوات ،ولا
تميل إلى طريق رشاد ،ويكون غالب أمرها الانبعاث إلى السوء ،والسوء: اسم جامع
لجميع القبائح. والاتعاظ مطاوعة الوعظ وهو النصح وتذكير العواقب وقد قيل
السعيد من وعظ بغيره ،والشقي من اتعظ به غيره . والجهل ضد العلم وقد يطلق على
المعاصي كما هنا لكوا
٧٧٧٠ -٢٠٨/ ١) ميزان الاعتدال ٦ )
٣٢
 ولا َأ  ع  دت مِ  ن الْفِعلِ اْل  جمِيلِ قِ رى  ضيفٍ َأَل  م بِ  رْأسِ  ي غَي ر محتشِمِ ١٥
إِن  ما الت  وبُة  عَلى الله لِلَّذِي  ن يعمُلو َ ن ال  سوءَ  تنشأ عنه قاله الفخر في تفسير قوله تعاَلى
الآية. .. ٍ بِ  ج  هاَلة
والمعنى أن نفسي الأمارة لم تتنبه من جهلها وغفلتها واماكها في اتباع الشهوات
بالشيب وكبر السن ،وهما نذيران يخوفان من حيث إيذاما بقرب الموت المفوت للتوبة
والأعمال الصالحة وبفوات الرفق من الحفظة ،والدخول تحت ريقة ضبط الأمر
وتحقيقه. وفي ربيع الأبرار عن عبادة بن الصامت مرفوعًا "يؤمر الحافظان أن ارفقا
بعبدي في حداثة سنه فإذا بلغ الأربعين قال احفظا وحققا" ( ١) . اه.
ولذا كان من كرامة هذه الأمة على نبيها أفضل الصلاة والسلام قصر أعمارها بالنسبة
إلى الأمم السالفة. "قال حذيفة قالوا يا رسول الله ما أعمار أمتك قال مصارعهم ما بين
الخمسين والستين قالوا يا رسول الله فأبناء السبعين قال قل من بلغها من أمتي فرحم الله
.( أبناء السبعين ورحم الله أبناء الثمانين ( ٢
واعلم أن من العقل عدم الرضا عن النفس واامها في جميع الأحوال ومخالفتها في جميع
مطالبها وأن لا ينظر إليها نظر استحسان وكمال كما فعل الناظم اقتداء برابع
إِنَّ الن ْ ف  س َلَأما  رةٌ  الكرماء(يوسف عليه السلام) المحكي عنه في قوله عزت كلمته
. بِال  سوءِ إِلَّا ما  رحِ  م  ربي

15 المعنى أن نفسه للؤمها لم يئ ضيافة الشيب النازل بالرأس ضيفًا من أفعال البر
والأعمال الصالحة ووصف الضيف بعدم الاحتشام كناية عربية عن كرمه لأن موجب
٥٢٢ -١٤٦/ ١) الفردوس بمأثور الخطاب للديلمي ١ )
٢٨٤٢ -٢٦٢/ ٢) مسند البزار ٧ )
٣٣
َل  و كُن  ت َأ  عَل  م َأني ما ُأ  وقِّ ره َ كتمت سِ  رًا ب  دا لِ  ي مِنه بِالْ َ كتمِ ١٦
م  ن لِي بِر  د جِ  ماحٍ مِن غوايتِ  ها َ ك  ما ير  د جِ  ماح الْخيلِ بِاللُّجمِ ١٧
احتشام الضيف عدم الاختلاط بالمضيف وظنه إدخال الكلفة عليه والكريم لا يرى من
نفسه ذلك كما هو بين ولذا قيل لا يأبى الكرامة إلا لئيم وفي ذلك زيادة بيان للؤم
نفسه فإن عدم الاعتناء بالضيف الكريم أدل عليه. وقد جاء الحث على إكرام الضيف
في قوله عليه الصلاة والسلام "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ."

 ما َل ُ ك  م لا تر  جو َ ن لِله  وَقارًا  16 أوقره أعظمه من التوقير بمعنى التعظيم ومنه
أي لا تخافون لله عظمة قاله الاخفش. والكتم بالتحريك والكتمان بالضم نبت
يخلط بالحناء ويخضب به الشعر فيبقى لونه وأصله إذا طبخ كان منه مداد للكتابة
كذا في القاموس. والمعنى لو كنت أعرف أني لا أعظم الشيب لأخفيت أول ما بدا منه
وهو سره لخفائه بالخضاب حتى لا يظهر غير موقر وقد أخذ توقيره مما روي أن أول من
رأى الشيب إبراهيم عليه السلام فقال ما هذا يا رب فقال وقار يا إبراهيم فقال يا
رب زدني وقارًا فأصبح وقد عمه الشيب.

17 الجماح بالكسر مصدر جمح الفرس كمنع جمحًا وجماحًا وجموحا أعجز فارسه
وغلبه فهو فرس جموح .
٣٤
َفلا ت  ر  م بِالْمعاصِي كَس ر  ش  ه  وتِ  ها إِنَّ الطَّعام يَق  وي  شه  وَة النهِمِ ١٨
والمعنى: أنه يطلب على وجه التضرع والاستعطاف من يتكفل له برد نفسه من
غوايتها براد قوي كما يرد جماح الخيل باللجم والأظهر أن يكون الطلب استبعاديًا فإا
لما لم ترعو بالشيب وقرينه المؤذنين بقرب الرحيل استبعد أن يحصل على متكفل له
بيان لجماح تشبيهًا لها به . ثم الغرض من ذلك  من غوايتها  بردها . وقوله
الاستبعاد الإيماء إلى صعوبة الأمر وشدة مقاساة الأهوال في رد النفس عن غوايتها ومن
ثم سمي جهادًا بل أعظم الجهاد كما قال عليه الصلاة والسلام " أفضل الجهاد جهاد
نفسك وهواك" ( ١). وكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا رجعوا من قتال العدو قالوا
رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ومن ثم رتب عليه الثواب الجزيل في قوله
.  وَأما م  ن خا  ف مقَام  ربهِ  ون  هى الن ْ ف  س  عنِ اله  وى َفإِنَّ الْ  جنَة هِ  ي اْل  مْأ  وى   عز اسمه

18 المعنى لا تطلب صرف النفس عن شهوا بارتكاب المعاصي ظنًا منك أا إذا
قضت وطرها منها صدت عنها وملتها فيكون صرف عناا إلى المعاصي ردًا لها بلين
ورفق ثم ضرب لذلك مث ً لا وهو النهم فإنه إذا أكل من الطعام تقوت شهوته وربما
كانت ساكنة قبل فكذا حال النفس إذا أخذت في المعاصي قويت شهوا وصعب
إقلاعها عنها لإلفها ا ولأن بعض الشر يقود إلى بعض ولذا ي عن الوقوع في
مشتبهات الأمور .

٢٣٤/ ١) نوادر الأصول للترمذي ٢ )
٣٥
 والن ْ ف  س َ كال طفلِ إِ ْ ن ت  همِْله ش  ب  عَلى ح  ب ال  ر  ضاعِ  وإِنْ ت ْ فطِ  مه ينَفطِمِ ١٩
َفا  صرِ  ف  ه  وا  ها  و  حاذِر َأ ْ ن ت  ولِّيه إِنَّ اْل  ه  وى ما ت  ولَّى ي  صمِ َأ  و يصِمِ ٢٠
19 المعنى أن النفس إذا تركتها وشهواا تمادت عليها وألفتها وإذا صرفتها عنها
انصرفت كما هي حالة الطفل وفيها إشارة لتضاعف شهوا بالمعاصي وعدم إنكسارها
وإيماء إلى جبلها على حب الشهوات حيث كانت لها كالرضاع للطفل الذي به
قوامه وإلى أا في طوع صاحبها وتحت رغبته بحيث لا تمييز لها بين النافع والضار
وأصل هذا المعنى لأبي دلف في قوله:
والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنع
وتصرف فيه الناظم بالتشبيه فعذب وزاده حسنًا بإجمال وجه الشبه ثم تفصيله.

20 المعنى ادفع هوى النفس عنها وتحرز من أن تجعله أميرا عليها تتصرف على
طاعته وتمتثل أوامره فإن الهوى ملك سوء إذا تولى قتل بسرعة أو أحدث العيب
والعار وذلك فساد لأمر الرعية فبالحري أن لا يولى ومن الأمثال من استرعى الذئب
فقد ظلم أو تحرز من متابعة النفس إياه واصرفه عنها من أول الأمر لأن متابعته تحدث
أحد الأمرين كما هو قرين السوء. ثم المراد التكنية عن عدم طاعته واتباعه كما هو
شأن الآمر والمتابع أي الذي تكررت تبعيته فلا مزية لإحدى الروايتين عن الأخرى
باعتبار المقصود وبالنظر إلى تمام التحذير ببيان صولة الهوى المزية للأولى واعلم أن
الأمرين يحتملان الحقيقة فيراد بالأول قتل الحدود كرجم الزاني المحصن ونحوه ويراد
بالثاني وقوع الناس في عرضه وسقوطه من أعين الناس ورميه بالمراذل والدنائس
وبالجملة أنه تطلق فيه مقيدات الألسن ويصير غرضًا لكل سهم من القبائح.
٣٦
 و  راعِها وه  ي فِي الأَع  مالِ  سائِ  مةٌ  وإِنْ هِ  ي استحَلتِ اَلم  ر  عى َفلا تسمِ ٢١
َ ك  م  ح  سن  ت َلذًَّة لِْل  مرءِ َقاتَِلًة مِ  ن  حيثُ َل  م يدرِ َأنَّ ال  س  م فِي ال  د  سمِ ٢٢

21 المعنى لاحظ النفس في حال تقلبها في الأعمال الصالحة وانتقالها من عمل إلى
عمل وإن عذب لها عمل و التذت به فاصرفها عنه إلى عمل آخر عليها فيه كلفة
ومشقة فإا لا ترتاض إلا بالمشاق وقد استعار لتقلبها في الأعمال معنى الرعي أخذًا من
الحديث الشريف وهو قوله عليه الصلاة والسلام إن الحلال بين .. الحديث.

22 المعنى أن النفس شأا المكر والخديعة فتبرز الأمر المهلك في صورة المحسن فيغتر
بظاهر الزينة ويفعل الفعل ولا يلتفت إلى ما فيه من اللذة فيسرع له الهلاك
الدنيوي والأخروي من جهله بوضع المكر في ذلك المزين كوضع السم في الدسم
بحيث لا يظهر له فيه أثر فالمعنى على التشبيه وإذا كان ذلك شأا وجب رعيها
وعدم إهمالها وصرفها عما تشتهيه من الأعمال مخافة دسائسها الدقيقة . ومأخذ
ذلك المعنى الذي قصده الناظم على ما بينا مع بعض الألفاظ ما حكاه القشيري عن
الواسطي أنه قال: إياكم واستحلاء الطاعات فإا سموم قاتلة ( ١). اه. ومن الدسائس
الخفية التي تدسها النفس في صورة الطاعة أن تأمر صاحبها بالارتقاء إلى مقام أعلى من
مقامه الذي أراده الله فيه كما قال الشيخ ابن عطاء الله في الحكم إرادتك التجريد مع
٣٧
واخ  ش ال  دسائِ  س مِ  ن  جوعٍ  ومِن شِبعٍ فَر  ب م  خ  م  صةٍ شر مِ  ن الت  خمِ ٢٣
إقامة الله لك في الأسباب من الشهوة الخفية وإرادتك الأسباب مع إقامة الله تعاَلى لك
في التجريد انحطاط عن الهمة العلية. اه.
١) (يقصد أن الأصل في العبادة التكليف ، والتكليف مشقة) )
23 الدسائس جمع دسيسة وهي المكر الخفي . والمخمصة ااعة .و التخم جمع تخمة
وهي فساد المعدة بالطعام.
والمعنى :خف ما ينشأ عن الشبع من الدسائس وما ينشأ عن الجوع منها ولتكن حالتك
التوسط بينهما ولا تتوهم أنه لا دسيسة من الجوع فرب جوع يكون أكثر شرًًا من
اية الشبع الموجبة لفساد المعدة بالطعام .
واعلم أن دسائس الشبع كثيرة إجمالها أنه يحرك الشهوة الداعية إلى كسب الدنيا
والميل إليها و"حب الدنيا رأس كل خطيئة" ( ١) كما في الحديث وتفصيلها أنه يذهب
الفطنة ويورث البلادة ويعمي القلب ويعين على المعاصي ومن ثم قيل البطن إذا جاع
شبع سائر الجسد وإذا شبع جاع سائر الجسد. قالت عائشة  رضِ  ي اللهُ  عنها "أول بدعة
حدثت بعد رسول الله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م الشبع إن القوم لما شبعت بطوم جمحت
نفوسهم إلى الدنيا" ( ٢) . وأما دسائس الجوع فهي فساد القلب والألم المشوش للفكر
وضعف البدن فلا يتيسر لصاحبه القيام بإصابة النظر ووظائف العبادات ومن دسائسه
أنه ربما أدى إلى الهلاك بسبب جفاف رطوبات البدن فتنحل أجزاؤه بالحرارة التي لا
تجد ما تشتعل فيه من الغذاء فيحصل الهلاك وبه يتبين أن مفسدته أشد من التخم
٣٨
واستفْرِغِ ال  دم  ع مِ  ن  عينٍ َقدِ امتلأَت مِ  ن الْمحارِمِ  واْل ز  م حِ  ميَة الن  دمِ ٢٤
الآية ..  وَلنبلُ  ونكُم بِ  شيءٍ مِ  ن الْ  خوفِ  واْل  جوعِ   ومأخذ مفاسد الجوع قوله عز اسمه
وإذا تبين ما في الجوع والشبع من المفاسد كان الواجب التوسط.
(١٠٩٩ -٤١٢/ ١) رواه البيهقي في الشعب بإسناد حسن (كشف الخفاء ١ )
(٦٦٦٧ -٤٠٤/ ٢) أخرجه البخاري في الضعفاء (ميزان الاعتدال ٥ )
وضابطه ما رواه أحمد والترمذي من قوله عليه الصلاة والسلام : "حسب ابن آدم
.( لقيمات يقمن صلبه فان كان ولا بد فثلث للطعام وثلث للماء وثلث للنفس" ( ١

24 استفراغ الدمع من العين إراقته وقد يراد ا الطلب لحديث "إن لم تبكوا
فتباكوا" ( ٢) والمحارم جمع محرمة بمعنى الحرام والحمية الامتناع من المضار من حميت
المريض الطعام إذا منعته منه والندم الكره يقال ندم بالكسر بمعنى كره.
والمعنى أرق دمعك أو اطلب إراقته من عين قد امتلأت من المحارم أي كثر نظرها إلى ما
لا يحل إليه النظر حتى كأا امتلأت بذلك والزم التوبة فإا وقاية من العقوبة وفي
وصف العين بالامتلاء من المحارم إيماء إلى وجه بناء إراقة الدمع ثم لما كان أول المعصية
غالبًا النظر كما قدمنا جعله مقدمًا على التوبة مبدأ لها واقتصر على الندم من
أركان التوبة وهي الندم والإقلاع والعزم على عدم العود لما أن الندم جماعها إذ مع
الندم لا يتيسر عدم العزم ولا يتيسر البقاء على العمل ولذا ورد في الحديث: "الندم
التوبة" ( ٣). وأما أدلة فضل البكاء فكثيرة منها ما في الحديث القدسي "أنا عند
٣٩
وخالِفِ النفْ  س  وال  شي َ طا َ ن  وا  عصِهِ  ما  وإِنْ  ه  ما م  حضا  ك الن  ص  ح َفاتهِمِ ٢٥
المنكسرة قلوم" ( ٤). وقوله عليه الصلاة والسلام لعقبة بن عامر حين سأله ما النجاة
. ( ؟ فقال : "املك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك" ( ٥

١٣٢/ ٢٣٨٠ – مسند أحمد ٤ -٥٩٠/ ١)سنن الترمذي ٤ )
٢٣١/ ٢) سنن البيهقي الكبرى ١٠ )
١١٠/ ٣) نوادر الأصول للترمذي ٢ )
٦١٤ -٢٣٤/ ٤) كشف الخفاء ١ )
٢٤٠٦ -٦٠٥/ ٥) سنن الترمذي ٤ )
25 المعنى خالف النفس والشيطان فيما طلباه منك ولا توف لهما المطلوب
واعصهما إن أمراك بشيء فلا تمتثل لهما أمرا وإذا أظهرا لك خالص النصح
فاحملهما على الاام ولا تغتر بظاهر الحال وكيف يظن عاقل نصح النفس بعد كوا
أمارة بالسوء صاحبة مكر وخديعة أو يرى نصحًا من الشيطان وقد ظهر أمر نصيحته
مع أبينا آدم مع قسمه على كونه ناصحًا كما في نص القرآن وتقديم النفس على
الشيطان يشير به إلى شدة مخالفتها وذلك أن دعوة النفس إلى أمر تابعة لهواها
وشهوا وليس لها غير ذلك من الأغراض فإذا دعت إلى أمر ألحت في طلبه كالطفل
فلا تزال تعاود الطلب وتكرره حتى تصل إلى مرادها أو يقضى لها التوفيق من الله
تعاَلى عند صدق ااهدة وأما الشيطان فغرضه الإغواء بزلة كيفما كانت فإذا دعا إلى
زلة وزينها وخولف فيها تركها وانتقل إلى أخرى ولا شك أن المخالفة مع الإلحاح أشد

٤٠
 ولا تطِ  ع مِنه  ما  خ  صمًا  ولا  ح َ كمًا َفَأن  ت تعرِف َ كي  د الْ  خصمِ  واْل  ح َ كمِ ٢٦
َأستغفِر اللهَ مِ  ن َق  ولٍ بِلا  ع  ملٍ َلَق  د ن  سبت بِهِ نس ً لا لِذِ  ي  عُقمِ ٢٧
26 الطاعة الانقياد والفعل طاع و أطاع .والخصم اادل . والحكم الحاكم ومنه
المثل "في بيته يؤتى الحكم" . والكيد المكر.
والمعنى أن النفس والشيطان إذا أتياك من حيث المحاجة وإقامة الدليل على حسن الفعل
أو من حيث الأمر والحكم عليك فلا تطعهما بأن تميل مع المحاجة في الأولى وتمتثل
الحكم في الثانية لأنك تعرف كيد الخصم ومكره بصاحبه بتمويه الأمر عليه وتزيينه
له توص ً لا إلى غلبته وتعلم كيد الحاكم إذا جار في حكمه توص ً لا لأغراضه فإنه أقوى
من مكايد الخصم حيث كان مكرًا مصحوبًا بالسطوة والسلطان هكذا ينبغي تقرير
البيت حتى يكون على طبق ما فعله مبينًا لمقام المخالفة ومقام العصيان . والمعنى
اعصهما قبل الوقوع بأن لا تفعل وبعده بأن لا تتمادى على الفعل ممتث ً لا لأمرهما
بذلك.

27 المعنى أستغفر الله أي أطلب منه المغفرة من أجل القول والمواعظ الصادرة بلا
َأتأْم  رو َ ن  عمل بما أمرت به يصحبها فإن ذلك مما يترتب عليه المقت لقوله تعاَلى
يا َأي  ها  وقوله تعاَلى  النا  س بِالْبِ  ر  وتن  سو َ ن َأنفُ  سكُم  وَأنت  م تتُلو َ ن اْلكِتا  ب َأَفلا ت  عقُِلو َ ن
قال  الَّذِي  ن آمنوا لِ  م تقُوُلو َ ن ما لا ت ْ فعُلو َ ن َ كب  ر مقْتًا عِن  د الله َأ ْ ن تُقوُلوا ما لا ت ْ فعُلو َ ن
الشاطبي في آخر الموافقات عن جعفر بن برقان قال سمعت ميمونًا يقول إن المتكلم
يا َأي  ها الَّذِي  ن آمنوا لِ  م   ينتظر المقت والمستمع ينتظر الرحمة قلت أرأيت قول الله
٤١
َأمرت  ك الْ  خي ر َلكِن ما اْئت  م  ر  ت بِهِ  وما استَقمت َف  ما َق  ولِي َل  ك استقِمِ ٢٨
الآية هو الرجل يقول فعلت كذا وكذا من الخير أو هو الرجل يأمر ..  تقُوُلو َ ن
بالمعروف وينهى عن المنكر وإن كان فيه تقصير فقال كلاهما. اه. وما أحكم قول
أبي الأسود الدؤلي في هذا المعنى:
يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
إبدأ بنفسك فاها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يسمع ما تقول ويقتدى بالرأي منك وينفع التعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
واعلم أن موافقة القول للفعل شرط كمال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتميمًا
لمقتضى المرتبة الموروثة عن النبوة وتقوية لداعي الامتثال فإذا انعدمت لا ينعدم الأصل.
ثم ضرب المصنف مث ً لا لحالته وهو نسبة الولد للعقيم فإن أمر الغير لكونه ناشئًا في
الغالب عن العمل بالمأمور به كالولد فمن أمر ولم يعمل كان كمن أثبت ولدًا لذي عقم
وما أجدره بأن ترد نسبته.

28 الاستقامة الشرعية هي لزوم الطاعة كذا قال بعضهم وقال البيضاوي اتباع الحق
والقيام بالعدل ولزوم المذهب المستقيم وذلك خطب جسيم لا يحصل إلا لمن أشرق
قلبه بالأنوار القدسية وتخلص من الكدرات البشرية وأيده الله من عنده وقليل ما هم.
اه. ولذا كان من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام ما رواه سفيان بن عبد الله قال
قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قو ً لا لا أسال عنه أحدا غيرك قال: "قل آمنت بالله
٤٢
 ولا ت ز  ودت َقب َ ل اْل  موتِ نافَِلًة  وَلم ُأصلِّ سِ  وى َفرضٍ  وَل  م َأ  صمِ ٢٩
إِنَّ الَّذِي  ن َقاُلوا  ربنا الله ُث  م ا  ستَقاموا َفلا  ثم استقم" ( ١). وهو منتزع من قوله تعاَلى
 خوف  عَليهِم  ولا  ه  م ي  ح  زنو َ ن
ومعنى البيت واضح مما قررناه إلا أنه بقي عليه شيء وهو أنه أمر وي فيما تقدم فكان
الواجب أن يقول أمرتك ويتك والجواب من وجهين الأول : أن يكون استعمل الأمر
في مطلق الطلب مجازا فيصرف على الأمر والنهي فإن قلت تعلقه بالخبر يمنعه قلت لا
فإن متعلق النهي الكف عن النهي عنه فهو فعل خير . الثاني : أن يكون ناظرا إلى
٩٤٢ -٢٢١/ ١) صحيح ابن حبان ٣ )
المقصود والمثال من الأوامر والنواهي وهو فعل الخيرات فيكون حاصل تلك الأوامر
فكأنه يشير به إلى  فما قولي لك استقم  والنواهي افعل الخير ويؤيد هذا قوله
توجيه صنيعه.

29 زيادة توبيخ لنفسه عما تقدم في البيتين قبله والتزود تكلف الزاد واتخاذه
وأصل الزاد الطعام الذي يتخذ للانتفاع به في السفر ثم تجوز به عن أعمال البر النافعة
.  وت  ز  ودوا َفإِنَّ  خي ر ال زادِ الت ْ ق  وى   قال تعاَلى
والمعنى لم آخذ من النافلة زادا لسفر الآخرة قبل حلول الموت الموجب للفوات
واقتصرت على فرائضي فلم أصلِّ سوى الفرض ولم أصم سوى الفرض .
٤٣
َ ظَلمت سنَة م  ن َأحيا الظَّلام إَِلى َأنِ اشت َ كت َقدماه ال  ض ر مِ  ن  و  رمِ ٣٠
وجاء في الحديث القدسي: "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته
كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش ا ورجله التي
.( يمشي ا ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه" ( ١

30 السنة الطريقة وإحياء الظلام مجاز في قيامه ، واشتكت قدماه الخ تشبيه حالتها في
بلوغ الضرر ا بحالة الشاكي أو شكت بلسان الحال.
والمعنى أني بذلك الأمر الذي هو ترك النافلة خالفت طريق النبي  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّم
٢٣٨٤ – برقم : ٦َ١٣٧ / ١) صحيح البخاري ٥ )
ولم أتبعها فظلمتها حقها من الإتباع المأمور به في غير ما نص . وما في الجملة الأولى
مأخوذ مما روي "عن عائشة أم المؤمنين  رضِ  ي اللهُ  عنها قالت قام  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م
حتى تورمت قدماه وفي رواية حتى تفطرت فقلت له لم تصنع هذا يا رسول الله وقد
غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال أفلا أكون عبدا شكورا" ( ١) . اه.
طه  وروي أنه لما تورمت قدماه من القيام نزل عليه جبريل عليه السلام بقوله تعاَلى
الآية وفضيلة قيام الليل من ...  ما َأن  زْلنا  عَلي  ك الُْقرآ َ ن لِت  شَقى إِلَّا تذْكِ  رًة لِ  من ي  خ  شى
حيث التمكن من الخشوع والتضرع والبعد من أسباب الرياء .وجاء أن الله يباهي
بق  وام الليل الملائكة يقول انظروا إلى عبادي قد قاموا في ظلام الليل لا يراهم أحد
غيري أشهدكم أني قد أبحتهم دار كرامتي .

٤٤
 و  ش  د مِ  ن سغبٍ َأحشاءَه  و َ ط  وى تح  ت الْحِجا  رةِ كَشحًا مت ر  ف الأَ  دمِ ٣١
ورا  و  دته الْجِبا ُ ل ال  ش  م مِ  ن َ ذ  هبٍ  ع  ن ن ْ فسِهِ َفَأ  راها َأي  ما  ش  ممِ ٣٢
31 المعنى أنه عليه الصلاة والسلام شد أحشاءه وأوثقها لأجل شدة الجوع الناشئ
عن كثرة الصيام تسكينا لألم الجوع وثنى كشحه الناعم الجلد تحت الحجارة لذلك وفيه
دلالة على ما قاله من ظلم سنته بقلة الصوم وإنما كان شد الأحشاء والربط
المذكوران يسكنان ألم الجوع من حيث أن الحرارة الغزيرة إذا لم تجد شيئا في المعدة من
الطعام انتشرت فتعلقت بأكثر جواهر البدن ويشتد ضررها كما تقدم فإذا ضم الجلد
والأحشاء على المعدة اتحدت بعض الاتحاد فيقل الضرر . وفي وصف الكشح بما ذكر
زيادة تنكيت على نفسه حيث كان ذلك الكشح الناعم قد شد على الحجارة المؤثرة
فيه تأثيرا لا يكون في غير الناعم .

١٨٣٠ - برقم : ٤٥٥٦ / ١) صحيح البخاري ٤ )
32 المعنى أن فعله عليه الصلاة والسلام لما ذكر ليس لعيلته وفاقته كيف وقد قال
وإنما هو لزهده في الدنيا ورغبته عنها وإلا فقد تمكن  و  و  ج  د  ك عائِ ً لا َفَأ ْ غنى   : تعاَلى
منها ما لم يتمكن منها غيره فقد عرضت عليه الجبال العالية من الذهب فأباها وقابلها
ولا تم  د َ ن  عيني  ك إَِلى   بارتفاع معنوي أعلى قدرا من ارتفاعها الحسي امتثالا لقول ربه
. ما مت  عنا بِهِ َأز  واجًا مِن  ه  م  زه رَة اْل  حياةِ ال  دنيا لِنفْتِنهم فِيهِ  ورِزق  رب  ك خير  وَأبَقى
أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة  رضِ  ي اللهُ  عنه أن النبي  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م قال
عرض علي ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت لا يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع
.( يوما فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك وإذا شبعت حمدتك وشكرتك ( ١

٤٥
 وَأكَّ  د  ت  ز  ه  ده فِي  ها  ض رو  رته إِنَّ ال  ض رو  رَة لا ت  ع  دوا  عَلى الْعِ  صمِ ٣٣
 و َ كي  ف ت  د  عو إَِلى ال  دنيا  ض رو  رةُ م  ن َل  ولاه َل  م تخ رجِ ال  دنيا مِ  ن الْع  دمِ ٣٤
33 العصم جمع عصمة وهي في الشرع قوة من الله في عبده تمنعه عن ارتكاب شيء
من المعاصي والمكروهات.
والمعنى مما يؤكد زهده في جبال الذهب ويثبته احتياجه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م إلى شيء
منها وضرورته إليه ولا شك أن الإعراض عن الشيء مع الاحتياج إليه أدل دليل على
الزهد فيه ولما كان في هذا الأمر نوع غرابة من حيث إن الضرورة توجب الإقبال على
الشيء المحتاج إليه والإلتفات إليه طبعا وشرعا ألا ترى إلى إباحة تناول الميتة والخمر
الخ أي أن عصمته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  إن الضرورة  للمضطر أزال تلك الغرابة بقوله
 و  سلَّ  م لا تعدو عليها الضرورة وتغلبها حتى يكون أمره تابعا لها ولا يخفى ما فيه من
١) أخرجه الترمذي في الزهد برقم : ٢٣٤٧ وقال حديث حسن )
إرسال المثل وقد تقدم له نظائر وفي ذلك إيماء إلى أن الميل إلى الدنيا مذموم وشاهده
حب الدنيا رأس كل خطيئة وبما قررنا علم أن لا حاجة إلى تقدير المضاف في العصم
كما زعموا هذا وشواهد ضرورته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م كثيرة منها :"عن عائشة  رضِ  ي
اللهُ  عنها أا قالت إن كنا آل محمد لنمكث شهرا ما نستوقد نارا إن هو إلا التمر
والماء" ( ١) وعن سماك قال سمعت النعمان بن بشير  رضِ  ي اللهُ  عنه يقول: "لقد رأيت
.( نبيكم  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م وما يجد من الدقل أي رديء التمر ما يملأ بطنه" ( ٢
34 المعنى أن ضرورة من هو السبب في وجود الدنيا بعد عدمها لا يتصور فيها أن
تكون داعيته إليها لموجب ارتفاعه عنها حيث كانت من مستتبعاته مفتقرة إليه في
٤٦
م  ح  مد  سي  د اْل َ كونينِ  والثََّقَلي نِ والَْفرِ يَقينِ مِ  ن عربٍ  ومِن عجمِ ٣٥
الخ وبما  إن الضرورة  وجودها افتقار المسبب إلى السبب ففيه تأييد لما تضمنه قوله
بينا يعلم أن الغرض بيان أن تلك الضرورة لا تصلح أن تكون داعية إلى الدنيا في ذاا.
وشاهد ما قاله الناظم ما روي عن عمر بن الخطاب  رضِ  ي اللهُ  عنه قال قال لي
رسول الله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م: "لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد
إلا غفرت لي فقال الله تعاَلى يا آدم فكيف عرفت محمدا ولم أخلقه قال يا رب إنك لما
خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش لا إله
إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك فقال الله
تعاَلى صدقت يا آدم إنه أحب الخلق إلي وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد
ما خلقتك" ( ٣) نقله في المواهب .
٢٧٥ -برقم : ٦٣٦١ / ١)صحيح ابن حبان ١٤ )
٢٢٨٤ -برقم : ٢٩٦٧ / ٢) صحيح مسلم ٤ )
٦٧٢ - برقم : ٤٢٢٨ / ٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢ )
35 محمد اسمه الشريف وعلمه المنيف سماه به جده عبد المطلب رجاء أن يحمده أهل
السماوات والأرض كما هو مشهور ولما قالت أمه آمنة الأمينة إني لما حملت به ودنت
ولادته أتاني آت فقال قولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد ثم سميه محمدا قال
السهيلي في الروض الأنف: أما أحمد وهو اسمه الذي سمي به على لسان عيسى وموسى
عليهما الصلاة والسلام فإنه منقول من الصفة التي معناها التفضيل فمعنى أحمد أحمد
الحامدين لربه وكذلك هو في المعنى لأنه يفتح عليه في المقام المحمود محامد لم تفتح على
أحد قبله فيحمد ربه ا ولذلك يعقد له لواء الحمد وأما اسمه محمد فمنقول من
٤٧
صفة أيضا وهو في معنى محمود ولكنه فيه معنى المبالغة والتكرار فالمحمد هو الذي حمد
مرة بعد أخرى وقد طابق الاسم المسمى فإنه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م محمود في الدنيا بما
هدى إليه ونفع به من العلم والحكمة ومحمود في الآخرة بالشفاعة ثم إنه لم يكن محمدا
حتى كان أحمد حمد ربه فنبأه وشرفه فلذلك تقدم اسمه أحمد على محمد فذكره عيسى
وموسى به هذا باعتبار الترتيب في الدنيا وكذلك في الآخرة يحمد ربه بالمحامد التي
يفتحها عليه فيكون أحمد الحامدين لربه ثم يشفع فيحمد على شفاعته فانظر كيف
ترتب هذا الاسم قبل الاسم الآخر في الذكر والوجود في الدنيا والآخرة. اه.
باختصار . ولما كان محمد بمعنى محمود قال حسان بن ثابت  رضِ  ي اللهُ  عنه:
أغر عليه للنبوة خاتم من الله من نور يلوح ويشهد
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشق له من إسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
والسيد الجليل الكريم العظيم والكونين تثنية كون مصدر التامة بمعى الوجود والمراد به
وجود الدنيا ووجود الآخرة والمراد أهلهما والثقلين الإنس والجن والفريقين تثنية
فريق وهو الجماعة الكثيرة وفسرهما بالعرب والعجم وهما معروفان والفريق الأول من
أولاد سام وهو ابن نوح باتفاق النسابين وأما الفريق الثاني فمنهم من شارك الأول فيه
وهم فارس والروم ومنهم من هو ولد حام أصغر ابن نوح وهم القبط والسودان
والبربر ومنهم من هو ولد يافث بن نوح وهم الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج
وهذه أصول أنساب العرب بعد طوفان نوح عليه السلام.
روى الترمذي في سننه أن النبي  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م قام على المنبر فقال من أنا قالوا
رسول الله قال  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م: "أنا محمد بن عبد المطلب إن الله تعاَلى خلق
الخلق فجعلني في خيرهم ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة ثم جعلهم قبائل
٤٨
نبِينا الآمِ ر الناهِي َفلا َأ  حد َأب ر فِي َقولِ لا مِنه  ولا نعمِ ٣٦
فجعلني في خيرهم قبيلة ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا" ( ١) اه. وفي حديث
الطبراني: "إن الله اختار الخلق فاختار منهم بني آدم ثم اختار بني آدم فاختار منهم
العرب ثم اختارني من العرب فلم أزل خيارا من خيار ...( ٢) وفي مسلم قوله عليه
الصلاة والسلام: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة
واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم" ( ٣) اه.
والحذر الحذر من الوقوع في كلام كثير ممن غلبت عليهم الضلالة فتشدقوا في جانب
النسب الطاهر بما تشمئز منه قلوب المؤمنين حتى أن بعضهم لعنايته بذلك ألف فيه
تآليف مستقلة فض ّ ل وأض ّ ل وعرض نفسه لأذية سيد العالمين فاستحق العذاب المهين.
٥٤٣ - برقم : ٣٥٣٢ / ١) أخرجه الترمذي في السنن ٥ )
٣٣٢/ ٢) أخرجه الترمذي في نوادر الأصول ١ )
١٧٨٢ - برقم : ٢٢٧٦ / ٣) صحيح مسلم ٤ )
عن أبي هريرة  رضِ  ي اللهُ  عنه قال جاءت ابنة أبي لهب إلى النبي  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م
فقالت يا رسول الله إن الناس يقولون أنت ابنة حطب النار فقام رسول الله  صلَّى اللهُ
 عَليهِ  و  سلَّ  م وهو مغضب فقال: "ما بال أقوام يؤذونني في قرابتي ومن آذاني فقد آذى
إِنَّ الَّذِي  ن ي  ؤ ُ ذو َ ن الله  و  رسوله َلعنهم الله فِي ال  دنيا  الله" ( ١) اه. وقال تعاَلى
. والْآخِ  رةِ  وَأ  ع  د له  م  ع َ ذابًا مهِينًا

36 ومعنى البيت أنه عليه الصلاة والسلام نبينا معاشر أمة الإجابة المشهود لها
هو الذي ينبغي أن يكون  ُ كنت  م  خي ر أُمةٍ أُخرِ  جت لِلناسِ  بالخيرية في قوله عز اسمه
٤٩
ه  و الْ  حبِيب الَّذِ  ي ت  ر  جى  شفَا  عته لِكُلِّ  هولٍ مِ  ن الأَ  ه  والِ مقْت  حمِ ٣٧
آمرا ناهيا أي مبلغا عن الله أمره ويه للعباد إذ الآمر والناهي حقيقة هو الله لكوما
راجعين لحكمه المفسر بخطابه المتعلق بأفعال المكلفين فأمره ويه عليه السلام أمر وي
وإذا كان المعنى ما ذكرناه  وما ينطِق  عنِ اله  وى إِ ْ ن ه  و إِلَّا وحي يو  حى   الله تعاَلى
وأنه لا ينبغي أن يكون الرجل مبلغا لأمر الله ويه إلا إذا كان متصفا بالأمانة وغاية
الخ الذي معناه أنه لا أحد أصدق منه آخذا  فلا أحد  الصدق جاء تفريع قوله
محزه متمكنا كل التمكن فإن قلت كيف التكنية بلا ونعم عن النفي والإيجاب قلت
لكوما إعلامين ما للسائل الطالب لأحدهما وشأن الكلام أن يكون بناؤه على
السؤال ولو حكما والأقرب من الفضول في الغالب .

٦٣٥/ ١) الإصابة لابن حجر ٧ )
!!!  وانظر إلى فعل من يجعل همه الخوض في والدي المصطفى
37 المعنى أن نبينا عليه السلام هو المحبوب لله الذي يرجو الخلائق شفاعته وطلبه
للخير لهم من الله عز اسمه عند كل الأهوال والشدائد المفزعة.
وقد طفحت الأحاديث بأنه عليه السلام حبيب الله وأا مرتبة تربو مرتبته التي شارك
فيها الخليل عليه السلام، فعن ابن عباس  رضِ  ي اللهُ  عنهما قال جلس ناس من أصحاب
رسول الله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م ينتظرونه قال فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم
يتذاكرون فسمع حديثهم فقال بعضهم عجبا إن الله قد اتخذ إبراهيم من خلقه خليلا
وقال آخر ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه الله تكليما وقال آخر فعيسى كلمة الله
٥٠
 د  عا إَِلى اللهِ َفاْل  م  ست  مسِ ُ كو َ ن بِهِ م  ست  مسِ ُ كو َ ن بِحبلٍ غَيرِ منفَصِمِ ٣٨
فَا  ق النبِيي  ن فِي خلْقٍ  وفِي  خُلقٍ  وَلم يدانوه فِي عِلْمٍ  ولا كَ رمِ ٣٩
وروحه وقال آخر آدم اصطفاه الله فخرج عليهم رسول الله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م
وقال: "قد سمعت كلامكم وعجبكم إن الله اتخذ إبراهيم خليلا وهو كذلك وموسى
نجي الله وهو كذلك وعيسى روح الله وهو كذلك وآدم اصطفاه الله وهو كذلك ألا
وأنا حبيب الله ولا فخر وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وأنا أول شافع
وأول مشفع ولا فخر وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ومعي
. ( فقراء المؤمنين ولا فخر وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر" ( ١

38 المعنى أنه عليه الصلاة والسلام لما بعثه الله تعاَلى دعا كل أحد إلى دين الله فمن
أجابه وتمسك به واتبعه كان كالمتمسك بحبل متين لكونه داعيا إلى الله ومأخذ هذا
٥٨٧ - برقم : ٣٦١٦ / ١) سنن الترمذي ٥ )
يا َأي  ها النبِ  ي إِنا َأرسلْنا  ك  شاهِدًا  ومب  شرًا  ونذِيرًا  و  داعِيًا إَِلى الله بِإِذْنِهِ  قوله تعاَلى
َف  من ي ْ كُف  ر بِالطَّا ُ غوتِ  وي  ؤمِ  ن بِالله فَقَدِ استم  س  ك  وقوله تعاَلى   وسِ  راجًا منِيرًا
.  بِالْعر  وةِ اْل  وْثَقى لا انفِصام لها

٥١
 و ُ كلُّ  ه  م مِ  ن  ر  سولِ اللهِ ملتمِس َ غ  رفًا مِ  ن البحرِ َأ  و  ر  شفًا مِ  ن ال  ديمِ ٤٠
39 المعنى أنه عليه الصلاة والسلام فاق على جميع النبيين في المحاسن الذاتية وفي جميع
الأخلاق الطبيعية ، ولم يقاربوه في صفتي العلم والكرم وهذا كالاستثناء مما يقتضيه
العلو من قرب المسافة فنبه على أم لم يقاربوه في هاتين الصفتين .
وشواهد حسن خلقه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م متكاثرة منها :عن علي كرم الله وجهه "من
رآه بديهة هابه ومن رآه معرفة أحبه يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله  صلَّى اللهُ
وعن عائشة  وإِن  ك َلعَلى خلُقٍ  عظِيمٍ    عَليهِ  و  سلَّ  م " ( ١) وكفى شهادة قوله عز اسمه
.( كان خلقه القرآن ( ٢

40 المعنى أن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ملتمسون من بحر معارفه  صلَّى اللهُ
 عَليهِ  و  سلَّ  م شيئا بالغا في القلة مبلغ الغرفة من البحر أو الرشفة من الديم ومن البين أن
الالتماس المذكور نوراني لأنه في المعارف والعلوم التي هي أنوار وحينئذ كان معنى
٥٩٩ - برقم : ٣٦٣٨ / ١) سنن الترمذي ٥ )
١٦٣ -برقم : ٢٥٣٤١ / ٢) مسند أحمد ٦ )
الخ  فإنه شمس فضل هم كواكبها  . التماسها اتصال أشعتها بالملتمس كما سيقول
والتشبيه بما ذكر إنما هو لبيان غاية القلة تثبيتا للمعقول بالمحسوس فلا يرد عليه أنه
يقتضي نقصان معارفه بقدر ما التمسوا بخلاف البيت الآتي على أن لك أن تجعل من في
الظرفين متعلقة بحال مقدرة أي منسوبا من البحر ومنسوبا من الديم مثلها في حديث
"أنت مني بمترلة هارون من موسى" ويكون المعنى أن ما التمسوه من أنواره بمثابة الغرفة
منسوبة إلى البحر والرشفة منسوبة إلى الديم فلا يرد ما ذكر أصلا.
٥٢
 و  واقُِفو َ ن َل  ديهِ عِن  د  ح  دهِم مِ  ن نقْ َ طةِ العِلْمِ َأ  و مِ  ن  شكَْلةِ الْحِكَمِ ٤١

ي  ؤتِي  41 الحكم جمع حكمة وهي إتقان علم الشيء ومن ثم قيل في قوله عز اسمه
أا العلم النافع والإصابة في الأمور وقيل الفقه والعمل به ، ووجه  الْحِكْ  مَة م  ن ي  شاءُ
الشبه في الأول أن العلم البشري متحد المآل من حيث إن المقصد الحقيقي منه المعرفة
بالله جل ثناؤه فجميع العلوم وسائلها ومقاصدها راجعة إليها وهي جهة وحدا
وقصور النظر من الغالب أوجب التعدد في المقاصد بناء على الظاهر ومن ثم قيل العلم
نقطة كثَّرها الجاهلون . ووجه الشبه في الثاني أن الشكلة في الحرف ا يعرف حاله
ويندفع إشكاله وفيه إتقان للمقصود منه والحكمة كما تقدم إتقان العلم فتناسبا.
والمعنى أن جميع الأنبياء عليهم السلام واقفون في حضرته الأولية عليه الصلاة والسلام
عند ما حد لهم من العلم والحكم . وأصل معنى البيتين ما روي "عن أبي سلمة عن
أبي هريرة  رضِ  ي اللهُ  عنه قالوا يا رسول الله متى وجبت لك النبوة ؟ قال: وآدم بين
( الروح والجسد" ( ١
٥٨٥ -برقم : ٣٦٠٩ / ١) سنن الترمذي ٥ )
وتفصيله أنه اشتهر ما بين الخاص والعام أن "أول ما خلق الله نور محمد  صلَّى اللهُ
 عَليهِ  و  سلَّ  م " ( ١) . وقد اتفق الصوفية والمتشرعون والفلاسفة أن الصادر عن الحق
تعاَلى قبل خلق كل شيء من عالم الأمر والتكوين نور بسيط مجرد ونعته الصوفية
بنعوت بديعة قالوا أنه تقدس وتعاَلى لما أراد أن يكشف عن كمالاته الأزلية بالوجود
التفصيلي أوجد ذلك النور البسيط وأودع فيه جميع كمالاته التي كانت كترا مخفيا
فكأنه في المثال صورة علمه القديم تمثلت به فقامت بذاا ولم يفته إلا الوجوب والغنى
٥٣
َفه  و الَّذِ  ي ت  م م  عناه  و  صو رته ُث  م اصطَفَاه  حبِيبًا بارِئ الن  سمِ ٤٢
الذاتيان والوحدة الذاتية بمعنى أن هذه الثلاثة لم يمكن تمثلها في سوى ذات الحق
تعاَلى ( ٢) وسموا ذلك النور حقيقة محمدية ( ٣) ويعتقدون أن ذلك النور أول مرتبة من
عالم الأمر( ٤) وأكملها وأعظمها ، فإن قلت كيف ذلك وقد قام  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م
في صورة البشر بلوازمه وخواصه قلت قد ثبت في كشف المحققين أن النفوس الكاملة
لا تقيد بموطن ولا تغيب عن حضرة ولا تحجب بشيء والحقيقة المحمدية أكملها
وأقرا إلى الحضرة الأحدية ( ٥) وا ظهورات بحسب المواطن وطوالع بحسب الآفاق
كما كانت تنقل من ظهر إلى آخر ومن جهة إلى أخرى وليست في ذلك كله بمتجزئة
ولا منتقصة ، وله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م مطلق ولاية يسمى سر الخصوصية وهو جهة
ارتباط باطن سره إلى حضرة القدس ومطلق نبوة وهي جهة ارتباط ظاهره إليها فكل
( نبوة وولاية فهي خليجة من بحريهما وشعاع من شمسيهما. ( ٦
٣١١ - برقم : ٨٢٧ / ١ رواه عبد الرزاق بسنده (كشف الخفاء ١
 ٢فكل مخلوق جائز الوجود حتى المصطفى
٣ تذكر أنه مخلوق وليس كما يقول الجهلة من نوره ، فالله لا يتبعض .
٤ أي كن فيكون
٥ تذكر قوله تعالى "ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى"
٦ قال تعالى "وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه "
42 المعنى إن كان التفريع على فاق النبيين أنه الذي تمت صورته وأخلاقه الكريمة التي
هي مدار المراد من البشر وذلك بنشأته وفطرته كما تقدم ثم بعد مضي مدة وهي
أربعون سنة بعثه الله نبيا مصطفى حبيبا. وإن كان التفريع على "وكلهم" وما بعده
كان معناه أنه الذي تمت حقيقته المحمدية وصورته النورانية في عالم الأمر ثم أبرزه الله
( للوجود العياني مصطفى حبيبا ببعثته الخاتمة للرسالة.( ١
٥٤
منزه  ع  ن  شرِيكٍ فِي م  حاسِنِهِ َف  جو  هر اْل  ح  سنِ فِيهِ غَي ر منقَسِمِ ٤٣
 د  ع ما ا د  عته الن  صا  رى فِي نبِيهِمِ  وا  ح ُ ك  م بِ  ما شِْئ  ت م  دحًا فِيهِ واحتكِمِ ٤٤

43 أصل التتره التباعد من الماء ثم شاع البعد عن النقيصة ، والمحاسن جمع الحسن
وهو ضد القبح والجوهر النفيس من الأحجار والعرف على اختصاصه بالدر .
والمعنى أنه عليه السلام باعده الله من أن يشاركه أحد في جميع محاسنه فكان حسنه
الذي هو لنفاسته بالنسبة إلى غيره كالجوهر الفرد لا يقبل الانقسام الذي هو أصل
المشاركة وناسب ما بين الجوهر ونفي الانقسام بإيهام عند الحكماء وان قلت على ما
اعتبرته من العموم في المحاسن أخذا من إضافة الجمع يرد المشاركة في وصفي النبوة
والرسالة قلت ليست نبوته ورسالته كنبوة ورسالة غيره .

١ ذلك أن الأرواح أسبق في الخلق من الأجساد ودليل ذلك آية الميثاق " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم
وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى "
44 النصارى جمع نصران ونصرانة نسبة إلى نصران قرية بالشام كان نزلها عيسى
وأمه عليهما السلام وقيل سموا بذلك لتناصرهم وقيل لقوله تعاَلى حكاية عن عيسى
.  م  ن َأن  صارِي إَِلى الله  عليه السلام
والمعنى اترك ما ادعته النصارى في عيسى عليه السلام من دعوى الألوهية واقض بما
شئت من أنواع المدح في حقه فإن حكمك به ماض لمصادفة محله ( ١). ودعوى
النصارى ألوهية عيسى متنوعة إلى أقوال ثلاثة فمنهم من يقو ل هو إله ومنهم من

٥٥




قديم 13-02-2010, 02:24 AM   #2
عضو ماسي


الصورة الرمزية المهاجر
المهاجر غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 561
 تاريخ التسجيل :  Aug 2009
 أخر زيارة : 06-10-2014 (05:35 PM)
 المشاركات : 2,441 [ + ]
 التقييم :  56
 قـائـمـة الأوسـمـة
درع التميز الفضى

وسام التقدير

لوني المفضل : Darkred
افتراضي رد: شرح البردة



55 صيغة (أكرم به) إحدى صيغتي التعجب المعهودتين في النحو فمعناها ما أكرم
خلقه والكرم طيب الأصل والعنصر وبه التمدح في كلام العرب دون مجرد البذل
والإعطاء ومضمون البيت مدحه عليه الصلاة والسلام بكمال ا َ لخلق وا ُ لخلق بعد ما بين
أن مدحه على طريق الإحاطة بكمالاته لا يتيسر. إيماء إلى أن الميسور لا يسقط
بالمعسور وأحاديث حسن خلقه وخلقة  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م كثيرة جدا ومن إجمالها
الملاقي لكلام الناظم حديث البراء  رضِ  ي اللهُ  عنه "كان رسول الله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م
أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا" ( ١) وفي حديث أبى هريرة "ما رأيت أحسن من
رسول ا لله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م كأن الشمس تجري في وجهه" ( ٢) ، قال الشهاب
القسطلاني في المواهب:
٢٤ – برقم : ٥ / ١ الجامع الصغير للسيوطي ١
٣٨٠ - برقم : ٨٩٣٠ / ٢ مسند أحمد ٢
٦٢
َ كال  زهرِ فِي ت  رفٍ والْبدرِ فِي ش رفٍ والبحرِ فِي َ ك  رمٍ  وال  د  هرِ فِي هِ  ممِ ٥٦
ولله در القائل:
لم لا يضيء بك الوجود وليله فيه صباح من جمالك مسفر
فبشمس حسنك كلُّ يوم مشرق وببدر وجهك كل ليل مقمر
وأما حسن الخلق فقد اجتمع فيه منه مالا يحصيه حد وناهيك بشهادة الله له في
قال الحليمي إنما وصف خلقه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م  وإِن  ك َلعَلى خلُقٍ  عظِيمٍ   قوله
بالعظم مع أن الغالب وصف الخلق بالكرم لأن كرم الخلق يراد به السماحة ولم يكن
خلقة صلى الله علية وسلم مقصورا على ذلك بل كان رحيما بالمؤمنين رفيقا م
شديدا على الكفار غليظا عليهم مهيبا في صدور الأعداء منصورا بالرعب على مسيرة
شهر فكان الوصف بالعظمة أولى ليشمل الإنعام والانتقام .

56 المعنى أن خلقه الشريف كالزهر في تنعمه من نظارة جسم وطيب رائحة وكالقمر
ليلة تمامه في شرف ذاته وكمال حسنه وأن خلقة العظيم كالبحر في الكرم والدهر في
علو الهمة وشاهد الأول ما أورده الترمذي في الشمائل عن ابن عبا س رضِ  ي اللهُ
 عنهما كان النبي  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م رقيق البشرة لطيف الظاهر والباطن يعرف
غضبه ورضاه في وجهه ( ١). وقال (أنس)  رضِ  ي اللهُ  عنه مامسست حريرة ولا ديباجة
ألين من كف رسول الله صلى عليه وسلم ( ٢). وأما طيب ريحه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م
فدلائله كثيرة:
٦٣
كَأَنه  وه  و َفرد فِي  جلاَلتِهِ فِي  عس َ كرٍ حِ  ين تلْقَاه  وفِي ح  شمِ ٥٧
١ أخرجه الترمذي في الشمائل المحمدية
٤٥ - برقم : ٦١ / ٢ سنن الدارمي ١
في المواهب عن امرأة عتبة بن فرقد السلمي قالت كنا عند عتبة أربع نسوة فما منا
امرأة إلا وهي مجتهدة في الطيب لتكون أطيب من صاحبتها وما يمس عتبة الطيب إلا
أن يمس دهنا يمسح به لحيته ولهو أطيب ريحا منا وكان إذا خرج للناس قالوا ما
شممنا ريحا أطيب من ريح عتبة. فقلت له يومنا إنا لنجهد في الطيب ولأنت أطيب
ريحا منا فمم ذلك قال أخذني الشرى على عهد رسول الله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م
فشكوت ذلك إليه فأمرني أن أتجرد فتجردت وقعدت بين يديه فنفث في يده ثم مسح
ظهري وبطني بيده فعلق بي هذا الطيب من يومئذ ( ١). وأما ما يتعلق بكونه كالدهر
فيتوقف على حقيقة ذلك التشبيه ، ووجه هذا التشبيه أن الحادثات الجليلة والدقيقة
إنما تقع في الدهر فنسبوها إليه وكأن الدهر باعتبار ما يقع فيه من الحوداث لا يرضى
إلا بالغاية من ذلك الحادث فإذا رفع بلغ الغاية وإذا وضع وصل النهاية.
هذا وأنت تعلم أن الغرض من ذلك التشبيه توضيح المعقول بالمحسوس لتصل إليه
الأذهان وإلا فالمشبه أعلى بمراتب من المشبه به ومن ثم ذكر وجه التشبيه زيادة في
الإيضاح .

57 المعنى كأنه والحال أنه منفرد أو حال كونه في جلالته في عسكر الخ أو كأنه
وهو مفرد بالجلالة لا يشارك فيها.
ومن شواهد هيبته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م الحديث الشهير كان  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م إذا
تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير. ولله در علي كرم الله وجهه إذ قال
٦٤
َ كَأنمََّا اللُّؤُل  ؤ اْل  م ْ كنو ُ ن فِي ص  دفٍ مِن م  عدِني منطِقٍ مِنه ومبت  سمِ ٥٨
لا طِي  ب يعدِلُ تربًا ض  م َأ  ع ُ ظ  مه ُ طوبى لِ  منتشِقٍ مِنه  ومْلتثِمِ ٥٩
١٣٣ - برقم : ٣٢٩ / ١ المعجم الكبير للطبراني ١٧
١٥٨/ ٢ المعجم الكبير للطبراني ٢٢
. ( في وصفه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م "من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه" ( ١
وأعجب من هذا وقوع هيبتة بمجرد ذكر اسمه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م في قلوب العارفين
وذلك من شواهد تفرده بجلالته.

58 معنى البيت تشبيه الجواهر النفيسة على اكمل أحوالها وهي كوا في صدفها
بمنطقة عليه السلام وثناياه التي تظهر عند ابتسامه على عكس التشبيه مبالغة. ووجه
الأول النفاسة المعنوية. ووجه الثاني صفاء الماء والبريق والبياض ومرجع الأول إلى ما
أوتيه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م من الفصاحة والبلاغة وكفاك حديث الفصاحة أعني قوله
( عليه السلام أنا افصح من نطق بالضاد بيد أني من قريش واسترضعت في بنى سعد.( ٢

59 من تشريفه عليه الصلاة والسلام تعظيم جميع ما ينسب إليه فلم يخرج المصنف
بذلك عند مدحه عليه السلام بل انتقل من مدحه لذاته لمدح ما يمدح لانتسابه إليه من
مكان وزمان. والطيب ما يتطيب به مما له رائحة طيبة. ويعدل بمعنى يماثل ، والترب:
التراب. وضم: جمع. وطوبى: كلمة دعائية ونئة معناها إصابة الخير أو دوامه و منتشق
اسم فاعل افتعل من نشقت منه ريحا طيبة أي شمممتها ، وملتثم من التثم إذا شد اللثام
وهو النقاب .والمراد هنا التكنية عن تعفير الوجه بالتراب حتى يحصل له مثل اللثام .
٦٥
َأبا َ ن مولِ  ده  ع  ن طِيبِ  عنصرِهِ يا طِي  ب مبت  دأٍ مِنه  وم  ختتمِ ٦٠
٥٩٩ - برقم : ٣٦٣٨ / ١ سنن الترمذي ٥
٢٣٢ رقم : ٦٠٩ / ٢ معناه صحيح ولا أصل له ( كشف الخفاء ١
ومعنى البيت أن التراب الذي ضم جسده الشريف لا يماثله شيء من أنواع الطيب
فهنيئا لمن استنشق رياه وعّفر فيه محياه وكيف لا وقد جمع منبع أطيب الطيب. ثم يحتمل
أن يريد حقيقة الطيب فيثبت له النشر والرائحة وذلك يدرك بقوة توجه النفس
وصدق المحبة وصرف الهمة بالكلية . فإن قلت لم عدل عن ضم جسمه إلى ضم
أعظمه مع أن أجسام الأنبياء لا تبلى؟ قلنا النص على المراد من تراب المدينة المنورة إذ
لو قال جسمه لشمل غيرها مما ما  س جسمه الشريف قبل الانتقال وبعد هذا يجوز أن
يراد خصوص القبر كما هو ظاهر العبارة وقد أخرجه العلماء من الخلاف بين تشريف
مكة والمدينة بل قالوا أنه أشرف البقاع في الأرض والسماء ويجوز أن يراد جميع تراب
المدينة المنورة فإن لها من التشريف والتكريم بسبب احتوائها على جسده الشريف
ما ليس لغيرها.
60 المعنى أن زمن ولادته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م كشف عن طيب أصله وهو تراب
قبره الشريف الذي خلق منه، لما ورد أن الإنسان عند ما يريد الله تخليقه من النطفة
يأمر الملك فيأتي بتراب من المكان الذي يدفن فيه فيعجنه بتلك النطفة.
في المواهب اللدنية قال سهل بن عبد الله التستري فيما رواه الخطيب البغدادي لما أراد
الله تعاَلى خلق محمد  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م في بطن أمه آمنة ليلة رجب وكانت ليلة جمعة
أمر الله تعاَلى رضوان خازن الجنان أن يفتح الفردوس ونادى مناد في السماوات


 
من مواضيعي


قديم 13-02-2010, 02:31 AM   #3
عضو ماسي


الصورة الرمزية المهاجر
المهاجر غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 561
 تاريخ التسجيل :  Aug 2009
 أخر زيارة : 06-10-2014 (05:35 PM)
 المشاركات : 2,441 [ + ]
 التقييم :  56
 قـائـمـة الأوسـمـة
درع التميز الفضى

وسام التقدير

لوني المفضل : Darkred
افتراضي رد: شرح البردة



يوم تَف ر  س فِيهِ الُفر  س َأن  ه  م َق  د أُنذِروا بِ  حُل  ولِ الب  ؤسِ والنَقمِ ٦١
والأرض ألا إن النور المخزون المكنون الذي يكون منه النبي الهادي في هذه الليلة
( يستقر في بطن أمه الذي يتم فيه خلقه ويخرج إلى الناس بشيرا ونذيرا.( ١
١ المواهب اللدنية – القسطلاني – الجزء الثاني
قال في المواهب لا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده عليه السلام ويعملون
الولائم ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويظهرون السرور ويزيدون في المبرات
ويعتنون بقراءة مولده الكريم ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. ومما جرب من
خواصه أنه أمان لذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام ( ١) ، فرحم الله امرأ اتخذ
( ليالي شهر مولده المبارك أعيادا ليكون أشد على من في قلبه مرض . أه ( ٢

61 المعنى أن ولادته عليه السلام كانت في يوم تفطن الفرس وتنبههم لتخويفهم
بترول الشدة و العذاب م وموجب هذا التفطن والتنبه ما وقع لهم ليلة الولادة من
الأمور الهائلة من ارتجاج الإيوان وخمود النيران وغور الماء كما سيحكيه الناظم
ورؤيا الموبذان كما سنذكرها بعد إن شاء الله فإن تغير الحوادث وانعكاس المعهود منها
خصوصا ما كان له شأن وبه اهتمام كالمذكورات مما يشعر بوقوع ما يستكره بحسب
المعتاد خصوصا عند الجهلة من غير المتشرعين .
والمرجح أنه عليه الصلاة والسلام ولد عند طلوع الفجر يوم الاثنين الثاني عشر من
شهر ربيع الأول وتعيين اليوم والشهر هو المشهور ونقل ابن الجوزي الإجماع عليه
وعليه عمل أهل مكة في زيارم موضع ولادته ولا يخفى أنه لا منافاة بين كون الولادة
عند الفجر وما ورد من حديث تدلي النجوم عند ولادته ،بل لو قلنا أنه ولد بعد الفجر
٦٧
وبا  ت إِي  وا ُ ن كِ  س  رى  وه  و من  صدِع َ ك  شملِ َأصحابِ كِ  س  رى َ غي ر ملْتئِمِ ٦٢
لإمكان أن يكون التدلي وقت المخاض . فاختلف هل ليلة مولده عليه الصلاة والسلام
أفضل أم ليلة القدر.
١ وأشار الشيخ ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم إلى أم يثابون على نيام .
٢ المواهب اللدنية – القسطلاني – الجزء الثاني
وفي المواهب ترجيح الأول بأوجه ثلاثة: الأول: أن ليلة المولد ليلة ظهوره وليلة القدر
معطاة له والشرف بظهور ذات المشرف من أجله أتم من الشرف بسبب العطية
إليه. الثاني: أن ليلة القدر شرفت بترول الملائكة وليلة المولد بظهوره عليه السلام وهو
افضل من الملائكة. الثالث: فضل ليلة القدر خاص بالأمة المحمدية وفضل ليلة المولد
عام لسائر الموجودات بظهور رحمة العالمين وعام الفضل أقوى .

62 المعنى حينئذ تشبيه الإيوان في حال انصداعه بشمل القوم في حال تفرقه ويفيد
ضمنا ثبوت الانصداع له الذي هو المطلوب بالإخبار . والإيوان بالكسر الصّفة
العظيمة وقيل الإيوان البناء العالي وقيل بيت كبير مستطيل ذو شرفات وقيل مجلس
الملك المعد لجلوسه مع أرباب دولته لتدبير أمر الملك. والمراد هنا البناء العظيم المعين
بإضافته وهو من عجائب الدنيا. وفي شرح ابن نباته على رسالة ابن زيدون روي أن
الرشيد أراد هدمه فاستشار يحي بن خالد البرمكي فنهاه وقال في بقائه معجزة باقية
فقال له الرشيد بل أبيت إلا تعصبا لآبائك وأمر دمه فصرف على هدم شرفة مالا
كثيرا فكف عنه فقال يحيى الآن دمه لئلا يتحدثوا عنك أنك عجزت عن هدم ما بناه
غيرك فتغافل عن قوله وتركه. اه.
٦٨
 والنا  ر خامِ  دةُ الأَنَفاسِ مِ  ن َأ  سفٍ  عَليهِ  والن  ه  ر  ساهِي العينِ مِ  ن س  دمِ ٦٣
 و  ساءَ  سا  وَة َأ ْ ن َ غا  ض  ت ب  حي رت  ها ور  د  وارِ  د  ها بِالْغيظِ حِي  ن َ ظمِي ٦٤
َ كَأنَّ بِالنارِ ما بِالْ  ماءِ مِن بلَلٍ  حزنًا  وبِالْماءِ ما بِالنارِ مِ  ن ض رمِ ٦٥
والمعنى أن ولادته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م كانت سبب تداعي بنيام المحسوس كما أن
دعاءه كان سبب ذهاب ملكهم ومثل هذا التشبيه يسميه علماء البديع تفريعا.

63 المراد بالنهر وادي السماوة وهو ر بين الكوفة والشام وساهي العين ساكنها
والسدم بالتحريك الندم والحزن.
والمعنى أن ليلة مولده الشريف باتت نار فارس خامدة لا لهيب ا وغار وادي
السماوة بحيث سكن جريانه .

64 ساوة مدينة بينها وبين الري اثنان وعشرون فرسخا ، وإسناد السوء إلى ساوة
إذ السوء حقيقة لأهل المدينة .  واسَألِ الَْقريَة  مجاز على حد
والمعنى أن أهل ساوة وهم من الفرس ساءهم ليلة الولادة غيض البحيرة التي يستسقون
منها غيضا لم يعهده آباؤهم من قبلهم وأن واردهم لما أشرف عليها ليستقي فوجدها
غائضة رد بدل الماء بالغيظ والغضب لما عطش لقلة الماء.

٦٩
 واْلجِ  ن ت  هتِ  ف  والأَنوا ر  ساطِعةٌ  واْل  ح  ق يظْ هر مِ  ن مع  نى  ومِ  ن كَلِمِ ٦٦
 ع  موا  وص  م  وا َفإِعلانُ البشائِرِ َل  م ت  س  م  ع  وبارِقَةُ الإِنذَارِ َل  م ت  شمِ ٦٧
65 والمعنى أن النار والماء لما كانا في غاية التباعد في الصفات وكفى شدة الحرارة
والبرودة وفد تغيرت حالة كل لولادته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م جعل الناظم ذلك للحزن
على انصداع الإيوان وما أدى إليه تفرس الفرس منه من توقع البؤس والنقم ولا شك
أن الحزن يغير الطبائع والأمزجة بسبب ورود غير الملائم على الطبيعة فالبارد تغيره
بالحرارة والحار بالعكس وبالغ المصنف في تخالف الصفات بالتشبيه فإن اتصاف النار
بالبلل يوجب إذهاب معنى النارية وكذا اتصاف الماء بالالتهاب الذي هو معنى الضرم
يذهب معنى المائية أيضا .

66 معناه أن شأن الحق أن لا يخفى وأن تتضافر الأقوال والمعاني على ظهوره فلا
غرابة في وقوع تلك الخوارق الجامعة بين القول وغيره الدالة على صدق نبوته عليه
الصلاة والسلام . وأشار الناظم ذا البيت إلى ما روي عن عثمان بن العاص "أن أمه
فاطمة قالت شهدت آمنة لما ولدت رسول الله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م فلما ضرا
المخاض رأيت النجوم تتدلى حتى خشيت أن تقع علي فلما ولدته خرج منها نور أضاء
( له البيت الذي نحن فيه فما شيء أنظر إليه إلا النور . ( ١

67 البارقة من برقت السماء وأبرقت إذا لمعت بالبرق وسحاب بارقة إذا جاءت
ببرق الإنذار الذي هو الإعلام بعاقبة الأمر المخوفة والشيم رؤية البرق خاصة.
٧٠
مِ  ن ب عدِ ما َأ  خب ر الأَْق  وام َ كاهِنهم بِأَنَّ دِينهم اْل  م  عو  ج َل  م يُقمِ ٦٨
والمعنى أن الكفار عميت أبصارهم فلم ينظروا بوارق الإنذار وصمت آذام فلم
يعقلوا رسالته ولم يؤمنوا ا وذلك أن طريق العلم للأمة الأمية إما الإخبار أو الرؤية
ولما كانت الادراكات الحسية تستدعي سلامة قوى المدرك ويئ المدرك للإدراك نبه
١٤٧ - برقم : ٣٥٥ / ١ المعجم الكبير للطبراني ٢٥
الناظم رحمه الله على أن خلل الإدراك جاء من قبيل المدرك ضرورة أن المدرك بالسمع
معلن به والمدرك بالبصر شبيه بالبرق في الضياء والظهور ومع ذلك لم يقع إدراكهما
فليس إلا لخلل في القوى المدركة .وقد نعى الله حال المنافقين بذلك فقال جل اسمه :
.  ص  م بكْم عمي َف  ه  م لا يرجِعو َ ن 

68 المعنى أن جحود الكفار وإنكارهم رسالته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م كان بعد إخبار
كهام الذين كانوا يصدقوم ويتخذوم عمدا يرجعون إليهم في أحوالهم وفيما
يحدث لهم من الأمور بان ما هم عليه من التدين الفاسد وعبادة الأوثان الذي لا
يقبل عند ذي عقل قد آن اندراسه وتزعزع أساسه ببعثته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م بالدين
القويم ونعى عليهم بأشنع حالة حيث خالفوا في شأنه معتادهم من العمل على أخبار
من وثقوا بأخباره في عامة شئوم وذلك من أقوى الشواهد على اعوجاج ما هم
عليه من التدين إذ أول مراتب التدين الاعتماد على قول من يجعل عمدة فيه.

٧١
 وبع  د ما  عاين  وا فِي الأًفْقِ مِ  ن  شهبٍ منَق  ضةٍ وفْ  ق ما فِي الأَرضِ مِ  ن صنمِ ٦٩
 حتى َ غ  دا  ع  ن َ طرِيقِ الْ  وحيِ منهزِم مِ  ن ال  شياطِينِ ي ْ قُفو إِثْ ر منهزِمِ ٧٠
69 معنى البيت أن كفر الأقوام كان أيضا بعد معاينة الخوارق العظمى وهي تساقط
الشهب من السماء على خلاف ما يعتادون ونكوس أصنامهم يوم ولادته  صلَّى اللهُ
 عَليهِ  و  سلَّ  م فهذا التغيير العلوي والسفلي المتوافقان في الزمن والكثرة مما ينادي بصحة
رسالته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م لو أسمع حيا وقد عاينوا كلا من الأمرين وعظما عندهم
وعلموا أن ذلك الحادث عظيم .

70 المعنى أنه ترتب على انقضاض الشهب ازام الشياطين عن طريق الوحي بحيث
صار الواحد منهم يقفو أثر الآخر في الازام على معنى عموم الازام لجميعهم .
وشاهد ما ذكره الناظم ما قص من قول النفر الجني في سورة الجن وما روى ابن عباس
 رضِ  ي اللهُ  عنهما "عن نفر من الأنصار أن رسول الله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م قال ما كنتم
تقولون في هذا النجم الذي يرمى به قالوا يا نبي الله كنا نقول مَلك ملِك  ولد مولود
مات مولود فقال رسول الله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م ليس ذلك ولكن الله تبارك وتعاَلى
كان إذا قضى في خلقه أمرا أسمعه حملة العرش فسبحوا فسبح من تحتهم لتسبيحهم
فيسبح من تحت ذلك فلا يزال التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى سماء الدنيا فيسبحون ثم
يقول بعضهم لبعض: م  م سبحتم؟ فيقولون: سبح من فوقنا فسبحنا لتسبيحهم فيقولون
ألا تسألون من فوقكم َلم سبحوا فيقولون مثل ذلك حتى ينتهوا إلى حملة العرش فيقال
لهم لم سبحتم فيقولون قضى الله في خلقة كذا وكذا للأمر الذي يهبط به الخبر من
سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى سماء الدنيا فيتحدثون به فتسرقه الشياطين بالسمع على
٧٢َ


 
من مواضيعي


قديم 13-02-2010, 02:39 AM   #4
عضو ماسي


الصورة الرمزية المهاجر
المهاجر غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 561
 تاريخ التسجيل :  Aug 2009
 أخر زيارة : 06-10-2014 (05:35 PM)
 المشاركات : 2,441 [ + ]
 التقييم :  56
 قـائـمـة الأوسـمـة
درع التميز الفضى

وسام التقدير

لوني المفضل : Darkred
افتراضي رد: شرح البردة



كَأنهم هربًا َأب َ طا ُ ل َأب ر  هةٍ َأ  و  عس َ كر بِاْل  ح  صى مِ  ن را  حتيهِ  رمِي ٧١
توهم واختلاف ثم يأتون به الكهان من أهل الأرض فيحدثوم فيخطئون ويصيبون
فتحدث به الكهان فيخطئون بعضا ويصيبون بعضا ثم إن الله حجب الشياطين ذه
. ( النجوم التي يقذفون ا فانقطعت الكهانة اليوم فلا كهانة" ( ١

٣١/ ١٠٠ ) – وانظر سيرة ابن هشام ٢ / ١ البخاري (خلق أفعال العباد ١
71 المعنى أن الشياطين بعد انقضاض الشهب يشبهون أبطال أبرهة حين أرسل عليهم
الطير الأبابيل من جهة هروم أو يشبهون الكفار يوم أحد حين ولوا هاربين لما رماهم
 صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م بالحصى والغرض من هذا التشبيه ذكر كرامته  صلَّى اللهُ  عَليهِ
 و  سلَّ  م في قصة الفيل فإن ذلك كان من بركته ومعجزته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م يوم أحد
بعد ذكر كرامته بحراسة السماء بالشهب .
وَأر  س َ ل  عَليهِم َ طيرًا   وقصة أبطال أبرهة ما حكاه جل اسمه عن مآل أمرهم بقوله
وشرحها ما حكاه  َأبابِي َ ل ترمِيهِ  م بِحِ  جا  رةٍ مِ  ن سِ  جيلٍ َف  جعله  م َ كعصفٍ مْأ ُ كولٍ
أصحاب السير . ومنها: فأخذ سيدنا عبد المطلب بحلقة الكعبة وقام معه نفر من قريش
يدعون الله ويستنصرونه وعبد المطلب يقول
لاه  م إن العبد ي منع رحله فامنع رحالك
وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك
لا يغلبن صليبهم و محالهم أبدا محالك
جروا جميع عيالهم والفيل كي يسبوا عيالك
عمدوا حماك بكيدهم جهلا وما رقبوا جلالك
٧٣
نبذًا بِهِ ب  ع  د تسبِيحٍ بِب ْ طنِهِ  ما نب َ ذ الْ  م  سبحِ مِ  ن َأحشاءِ ملْتقِمِ ٧٢
وكانت هذه الواقعة قبل ولادته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م بخمسين يوما فإا كانت في
المحرم من عام ولادته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م ومن هنا كانت من كراماته صلى الله عليه
سلم والإرهاصات الدالة على نبوته عليه السلام.
وأما قصة رمي الحصى من كفه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م فهي ما حكاه أرباب السير من
وقوع ذلك مرتين أولاهما في غزوة بدر الكبرى وذلك أنه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م لما
عدل صفوف المسلمين يوم القتال دخل العريش ومعه أبو بكر  رضِ  ي اللهُ  عنه وصار
يناشد ربه ويقول: "اللهم إنك إن لك هذه العصابة اليوم لا تعبد وأخذ حفنة من
الحصباء فاستقبل ا قريشا ثم قال شاهت الوجوه ثم رماهم ا" ( ١) . والثانية في غزوة
حنين روي عن العباس بن عبد المطلب  رضِ  ي اللهُ  عنه أنه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م بعدما
جمع من المسلمين من تفرق ونشب القتال قبض قبضة من الحصباء فحصب ا وجوه
المشركين ونواصيهم كلها وقال شاهت الوجوه فهزم الله أعداءه من كل ناحية
حصبهم فيها واتبعهم المسلمون يقاتلوم وغنمهم الله نساءهم وذراريهم وشاءهم
( وإبلهم أه. ( ٢

72 المعنى أنه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م نبذ الحصى من راحتيه بعد ما سبحت ببطنهما
كما نبذ يونس من بطن الحوت بعد تسبيحه وتسبيح الحصى بكفه  صلَّى اللهُ  عَليهِ
 و  سلَّ  م من معجزاته الثابتة والمراد به التسبيح المسموع لا التسبيح الثابت لكل شيء
بنص الكتاب وظاهر صنيع الناظم أن الحصى المرمى به سبح في كفه  صلَّى اللهُ  عَليهِ
 و  سلَّ  م قبل الرمي به . وذلك أنه لما تحقق كما بيناه سابقا أن نبوة كل نبي إنما هي له
٧٤
 جاءَ  ت لِ  د  ع  وتِهِ الأَشجار  ساجِ  دًة ت  مشِ  ي إَِليهِ  عَلى  ساقٍ بِلا قَ  دمِ ٧٣
 صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م على طريق الحقيقة فإذا كل كرامة لذلك النبي فهي في الحقيقة
الخ.  وكل آي أتى الرسل الكرام ا  لنبينا  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م وقد تقدم في النظم

١٣٨٣ - برقم : ١٧٦٣ / ١ صحيح مسلم ٣
١٠٢/ ٢٩٦ – الطبري ١٠ / ٢ تفسير ابن كثير ٢
73 المعنى أن من معجزاته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م مجيء الشجر له  صلَّى اللهُ  عَليهِ
 و  سلَّ  م حين دعاه للمجيء والشهادة له بالرسالة وثبوت ذلك من الشهرة بمكان
حيث رواه الجم الغفير من التابعين عن عدة سادة من الصحابة  رضِ  ي اللهُ  عنهم أجمعين
فمن ذلك ما روي عن ابن عمر  رضِ  ي اللهُ  عنهما قال كنا مع رسول الله  صلَّى اللهُ  عَليهِ
 و  سلَّ  م في سفر فدنا منه أعرابي فقال يا أعرابي أين تريد قال إلى أهلي قال هل لك إلى
خير قال وما هو قال اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله قال من
يشهد لك على ما تقول قال هذه الشجرة السمرة وهي بشاطئ الوادي فادعها فإا
تجيبك قال فدعوا فأقبلت تخد الأرض حتى قامت بين يديه فاستشهدها ثلاثا فشهدت
أنه كما قال ثم رجعت إلى مكاا.( ١) غير أن جميع الروايات لا يتضمن السجود مع
ايء كما هو ظاهر كلام الناظم وحديث السجود وإن ثبت ليس فيه سعي ومجيء
وهو ما روي عن جابر بن عبد الله "لم يكن رسول الله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م يمر بحجر
ولا شجر إلا سجد له "ومن ثم حملنا السجود في النظم على معنى الخضوع ثم
السجود الثابت بحديث جابر المراد به الانخفاض إلى أن يمس الأرض لا حقيقة السجود
إذ لا يكون إلا من البشر ذي الجبهة وذا يظهر أن لا منع في مثل هذا إذ المختص بالله
على ساق  هو الحقيقي لا الانخفاض عن سبيل التواضع. هذا وما ألطف قول الناظم
إذ يوهم الساق ذات القدم وأن السعي عليها دونه مستغرب.  بلا قدم
٧٥
َ كَأن  ما  س َ ط  رت  سطْرًا لِ  ما َ كتب  ت ُف  رو  ع  ها مِ  ن بدِيعِ الْخطِّ بِالَّلَقمِ ٧٤
مِْث ُ ل الغ  مامةِ َأنى  سا  ر  سائِ  رةٌ تقِيهِ ح ر  وطِيسٍ لِل هجِيرِ  حمِي ٧٥

(٢٩٢/ ١ رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٨
٧٩ - برقم : ٦٩٤٢ / ٢ المستدرك للحاكم ٤
74 التسطير التخطيط على الاستواء ، واللقم بفتح اللام محجة الطريق ووسطه.
وغرض الناظم التنبيه على أن مجيء الشجر له  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م كان على حال
اعتداله من دون ميل ولا انحراف وذلك من تمام غرابة المعجزة .
وشبه رحمه الله تعاَلى حال الشجر في مجيئها على وجه الاستقامة بحالة الكتب المبدع في
سطور مستوية والجامع الحسن والجمال والدلالة على المعنى فإن ذلك ايء أفصح من
الكتابة ، بل من اللفظ في الدلالة على المراد منه .

75 معنى البيت أن شأن مجيء الأشجار لدعائه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م في الكون كرامة
ومعجزة له  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م مثل وقاية الغمام له من حر الشمس تسير معه
حيثما سار وأصله ما خ  رجه الترمذي عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال خرج
أبو طالب ومعه رسول الله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م في أشياخ من قريش فلما أشرفوا على
راهب يقال له بحيرا وحلوا رحالهم خرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به
فلا يخرج إليهم فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله  صلَّى اللهُ  عَليهِ
٧٦
َأْق  سمت بِالَق  مرِ الْمنش  ق َأنَّ َله مِ  ن َقْلبِهِ نِسبًة مب رو  رَة الْقَ  سمِ ٧٦
 و  سلَّ  م ثم قال هذا سيد العالمين هذا رسول رب العالمين ...وكان  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م
( في رعي الإبل قال أرسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة تظله . ( ١

٥٩٠ - برقم : ٣٦٢٠ / ١ سنن الترمذي ٥
76 معنى البيت الحلف على أن للقمر بوصف انشقاقه انتسابا إلى قلبه  صلَّى اللهُ  عَليهِ
 و  سلَّ  م الذي شق لا ريب فيه والحالف عليه بار في يمينه ووجه النسبة أن كلا من
الشقين له سببية في المراد من الرسالة والتبليغ وذلك أن المراد من الرسالة تبليغ
الشرائع إلى الأمة وهدايتهم بقبولها والتزام العمل بمقتضاها . والمراد من المعجزات
التي من أعظمها انشقاق القمر إقامة الحجة والبرهان على صدق الرسول . ومراد
الناظم رحمه الله ذكر المعجزتين المشار إليهما إحداهما انشقاق القمر وهي ثابتة بنص
اقْت  ربتِ ال  سا  عُة  وان  ش  ق الَْق  مر  وإِنْ ي  ر  وا آيًة ي  عرِ  ضوا  الكتاب ايد قال الله تعاَلى
روينا في الشفاء من طرق عديدة أن القمر انشق على عهد .   ويُقوُلوا سِحر مستمِر
النبي  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه فقال رسول الله  صلَّى
اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م اشهدوا.( ١) ثانيتهما شق قلبه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م وهي مما تواترت
الأخبار على وقوعها وأكثر الروايات على ثبوا وهو  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م في بني
سعد.( ٢) وتكرر ذلك وهو  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م ابن عشر سنين . وروي شق الصدر
عند مجيء جبريل بغار حراء كما روي أنه شق أيضا ليلة الإسراء ( ٣) قال ابن حجر في
شرح الهمزية تواترت ا الروايات خلافا لمن أنكرها.

٧٧
 وما  ح  وى الْغا  ر مِ  ن  خيرٍ  ومِ  ن كَ رمٍ  و ُ كلُّ َ طرفٍ مِ  ن الْ ُ كفَّارِ عنه  عمِي ٧٧
فَال  صد  ق فِي الغارِ  وال  ص  دي  ق َل  م يرِما  و  ه  م يقُوُلو َ ن ما بِالْغارِ مِ  ن َأرِمِ ٧٨
َ ظنوا الْحمام  و َ ظنوا العن َ كبو  ت  عَلى  خيرِ البرِيةِ َل  م تن  س  ج  وَل  م ت  حمِ ٧٩
١٨٤٣ - برقم : ٤٥٨٣ / ١ صحيح البخاري ٤
٣١/ ٢ دلائل النبوة للأصبهاني ١
٥٣٤/ ٣ تاريخ الطبري ١
77 معنى البيت وأقسم بما حواه الغار من الشرف والتكريم الإلهي والحال أن أعين
الكفار عموا عنه فلم يدركوا النبي وصاحبه فيه وإن كانوا بصراء وقد تقدم أن القوة
المدركة إذا لم يترتب عليها أثرها كانت والعدم سواء فلما لم يدرك الكفار ما في الغار
مع صحة أبصارهم كانوا كأم عمي عن ذلك .

78 معنى البيت أن النبي  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م وأبا بكر  رضِ  ي اللهُ  عنه لم يبرحا بالغار
ولم يزالا مقيمين به والحال أن الكفار حكموا بأنه ليس به أحد وذلك بعد التثبت
والتأمل وقرب المسافة لما روي أن أبا بكر  رضِ  ي اللهُ  عنه قال يا رسول الله لو أن
أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا فما ذاك إلا لعمى أبصارهم عنهما .

٧٨
وَِقايُة اللهِ َأ ْ غن  ت  ع  ن مضا  عَفةٍ مِ  ن ال  د  روعِ  و  عن عالٍ مِ  ن الأُ ُ طمِ ٨٠
ما  سامنِي ال  ده ر ضيمًا واست  جرت بِهِ إِلا  ونِلْت جِ  وارًا مِنه َل  م ي  ضمِ ٨١
79 معنى البيت أن الكفار لما رأوا العنكبوت ناسجة على فم الغار والحمام واقف
هناك حكموا بأنه ليس به أحد لظنهم أنه لا يمكن ذلك النسج ولا أن يتخذ الحمام
وكرا بعد دخولهم وكوما سابقين الدخول بين المنع وذلك بحكم العادة وعدم
الالتفات إلى تكريم الله تعاَلى وخرقه العوائد .

80 معنى البيت أن وقاية الله وحفظه إذا صادفا الإنسان أغنياه عن التحصن
بالدروع الحصينة وهي المضاعفة والحصون العالية الشامخة . والنبي  صلَّى اللهُ  عَليهِ
 و  سلَّ  م حين كان في الغار ليس له شيء من التحصن المعتاد بل كان في حالة هي
أقرب إلى الظفر به في مجاري العادات لكن وقاية الله التي هي عمدة المؤمنين خصوصا
أكملهم إيمانا ويقينا كفته أعداءه وأغنته عن التحصن المعتاد . والقصة التي أشار
إِ ّ لا تنصروه َفَقد ن  ص ره الله إِ ْ ذ َأ  خ  ر  جه  إليها الناظم هي المذكورة في القرآن الكريم
الآية  الَّذِي  ن َ كَفروا َثانِ  ي اثْنينِ إِ ْ ذ  ه  ما فِي الْغارِ إِ ْ ذ يقُو ُ ل لِصاحِبِهِ لا ت  ح  ز ْ ن إِنَّ الله معنا
81 المعنى أنه أخبر عن نفسه ما مسه الزمان بسوء أي أصابه فيه سوء واحتمى
بالنبي  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م احتماء خاصا إلا وتخلص من ذلك السوء الدهري وكان في
( ذمته التي لا ترام وقليل ذلك في حق من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم . ( ١
٧٩
 ولا الْت  مست غِنى ال  دا رينِ مِ  ن يدِهِ إِلا ا  ستلَم  ت الن  دى مِ  ن  خيرِ مستَلمِ ٨٢
لا تنكِرِ الْ  وح  ي مِ  ن رؤياه إِنَّ َله َقْلبًا إِ َ ذا نامتِ الْعينانِ َل  م ينمِ ٨٣
82 معنى البيت واضح فإن قلت إخباره عن نيل ما التمس من النبي  صلَّى اللهُ  عَليهِ
 و  سلَّ  م من غنى الدنيا بين مشاهد فكيف تصحيح إخباره عن نيل غنى الآخرة قلت
( ذلك مشاهد بقوة يقين الإيمان بمترلته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م عند ربه. ( ٢
١ محمول على التوسل به وبحبه إلى الله سبحانه وتعالى .
٢ محمول على التوسل أيضًا ، والشاهد له حديث :"كم أجعل لك من صلاتي فقال ما شئت قال قلت الربع قال ما شئت فإن
زدت فهو خير لك قلت النصف قال ما شئت فإن زدت فهو خير لك قال قلت فالثلثين قال ما شئت فإن زدت فهو خير لك قلت
( ٦٣٦ – برقم : ٢٤٥٧ / أجعل لك صلاتي كلها قال إذا تكفى همك ويغفر لك ذنبك) . (سنن الترمذي : ٤
83 معنى البيت أن الوحي من رؤياه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م أمر ثابت لا مساغ
لإنكاره ولا استبعاد فيه بناء على المعتاد من تعطيل أصل المدركات الذي هو القلب
بالنوم فإن نومه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م لا يعدو عينه ولا يعطل إدراك قلبه النوراني بل
قلبه في نومه كهو في يقظته وأصله قوله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م كما في الشفاء "إن
عيني تنامان ولا ينام قلبي" ( ١) قال الشهاب في شرح الشفاء ولذا كانت رؤياه  صلَّى
اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م قسما من الوحي لاتصاله بعالم الملكوت في نومه وكذا سائر الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام تنام أعينهم ولا تنام قلوم ومن ثم كان نومه  صلَّى اللهُ  عَليهِ
 و  سلَّ  م لا يبطل وضوءه .
وأصل هذا المعنى حديث عائشة  رضِ  ي اللهُ  عنها قالت: "أول ما بدئ به رسول الله
 صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م من الوحي الرؤيا الصالحة من النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت
( مثل فلق الصبح ." ( ٢

٨٠
َفذَا  ك حِي  ن بُلوغٍ مِ  ن نب  وتِهِ َفَلي  س ينكَ ر فِيهِ  حالُ محتلِمِ ٨٤
تبا  ر  ك اللهُ ما  و  حي بِ  مكت  سبٍ  ولا نبِ  ي  عَلى َ غيبٍ بِ  مت  همِ ٨٥
84 معنى البيت أن ثبوت الوحي من رؤياه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م كان عند ابتداء
نبوته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م وإبان ظهورها فليس هناك حال محتلم استهوته التخيلات
الشيطانية حتى يكون محلا للإنكار فمضمون البيت استدلال وتعليل لمضمون ما قبله
من الحكم في البيت السابق .
٣٨٥ - برقم : ١٠٩٦ / ١ صحيح البخاري ١
٤ - برقم : ٣ / ٢ صحيح البخاري ١
85 المعنى تتره الله تعاَلى عن أن يكون في الوجود وحي مكتسب للإنسان
باجتهاده وأن يكون نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في إخباره عن الغيب متهما
والمقصود بذلك تحقيق ما أخبر به أولا فإن توهم نفي الوحي من الرؤيا إنما يناسب
الاكتساب في تحصيله حيث كانت حالة النائم غير حالة كسب وطلب فلا يتم
لمكتسب شيء أن يدعي حصوله في تلك الحالة أما إذا كان مجرد تكريم من الله تعاَلى
لمن خصه بذلك من عباده على طريق خرق العادة فلا تختلف فيه حالتا النوم واليقظة
وأشار  وما ه  و  عَلى الْغيبِ بِ  ضنِينٍ   وقد اقتبس الناظم عجز البيت من قوله تعاَلى
بصدر البيت إلى مذهب من زاغ في النبوة وقال باكتساا.

٨١
َ ك  م َأب رَأت  وصِبًا بِاللَّمسِ  راحته  وَأطَْلَقت أُ ربًا مِ  ن ربَقة اللَّ  ممِ ٨٦
 وَأ  حيتِ ال  سنَة ال  شهباءَ  د  ع  وته  حتى  ح َ كت غُ  رًة فِي الأَعصرِ ال  دهمِ ٨٧
86 الوصب المرض ، والأرب بضم الهمزة وفتح الراء أصله صغار البهم أريد
به هنا الصبيان ، والربقة عروة في جبل ذي عرى يسمى الربق يشد به البهم واللمم
الجنون.
والمعنى كثيرا ما أبرأت وشفت راحته الكريمة بمجرد لمسه المرضى وأطلقت الصبيان
المصابين بمس الجان من أدنى ذلك المس وذلك من معجزاته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م فمن
النوع الأول رده  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م عين قتادة حين أصيبت يوم أحد حتى وقعت
على وجنته فصارت أحسن عينيه ومنه رد يد معوذ بن عفراء حين قطعها أبو جهل يوم
بدر فجاء يحملها إلى النبي  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م فبصق عليها وألصقها فلصقت ومنه
أن خبيب بن يسار أصيب بضربة يوم بدر على عاتقه حتى مال شقه فرده  صلَّى اللهُ
 عَليهِ  و  سلَّ  م ونفث عليه حتى ص  ح. ومن الثاني ما رواه ابن عباس  رضِ  ي اللهُ  عنهما أن
امرأة جاءت بابن لها به جنون فمسح صدره فتعتعه فخرج من جوفه مثل الجرو
الأسود فشفي ومثل ذلك كثير حوته كتب السير وغيرها.

87 معنى البيت أن من معجزاته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م وكرامته على ربه نزول المطر
وتزخرف الأرض بدعوته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م حين أصابت الناس السنة الشهباء فأحيا
شباا حتى صارت أخصب الأعوام وصارت لشهرة خصبها بالنسبة إلى غيرها من
السنين المخصبة كالغرة البينة الظهور في الفرس الأدهم والإشارة ذا إلى حديث أنس
 رضِ  ي اللهُ  عنه قال: "أصابت الناس سنة على عهد الرسول  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م فبينما
٨٢
بِعارِضٍ جا  د َأ  و خِْلت الْبِ َ طا  ح بِ  ها  سيبًا مِ  ن الْي  م َأ  و سي ً لا مِ  ن الْعرِمِ ٨٨
رسول الله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م يخطب على المنبر يوم الجمعة قام أعرابي فقال يا رسول
الله هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا أن يسقينا فرفع رسول الله  صلَّى اللهُ  علَيهِ
 و  سلَّ  م يديه وما في السماء قزعة فثار سحاب الجبال ثم لم يترل عن منبره  صلَّى اللهُ  عَليهِ
 و  سلَّ  م حتى رأيت المطر يتحادر عن لحيته قال فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد
الغد والذي يليه إلى الجمعة الأخرى فقام ذلك الإعرابي أو رجل غيره فقال يا رسول
الله دم البناء وغرق المال فادع الله لنا فرفع رسول الله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م يديه فقال
( اللهم حوالينا ولا علينا قال فما جعل يشير بيده إلى ناحية من السماء إلا تفرجت" ( ١
٤٨١ - برقم : ٢٠١٨ / ١) المسند المستخرج على صحيح مسلم : ٢ )
وروي أنه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م قال بعد إجابة دعوته في الغيث:"لو أدرك أبو طالب
هذا اليوم لسره " ( ١) فقال بعض أصحابه كأنك يا رسول الله أردت قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل

88 العارض السحاب ،والبطاح جمع الأبطح هو مسيل واسع فيه دقاق الحصى ،
والسيب بالكسر مجرى الماء وبالفتح مصدر ساب الماء إذا جرى وهو المراد هنا واليم
البحر والسيل الماء الكثير السائل والعرم المطر الشديد.
والمعنى أن إحياء السنة كان بسحابة اعترضت بالأفق بعد أن لم يكن بالسماء سحاب
وكان مطرها غزيرا لا كما يفهم من وصف الاعتراض حتى يظن الرائي البطاح التي
٨٣
َل  ما  ش َ كت  وقْعه اْلب ْ ط  حاءُ َقا َ ل َله  عَلى ال  ربا  واْلهِ  ضابِ اَلِّ وان  سجِمِ ٨٩
َفَأ  دتِ الأَرض مِ  ن رِزقٍ َأمانتها بِإِذْنِ  خالِقِ  ها لِلناسِ  والنعمِ ٩٠
ليس من شأا إمساك المياه لاتساعها وتسطيحها قطعة من بحر أو جعفرا( ٢)من واد
لكثرة ما استقر ا من الماء.
َ


 
من مواضيعي


قديم 13-02-2010, 02:41 AM   #5
عضو موهوب


الصورة الرمزية الوان الطيف
الوان الطيف غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 257
 تاريخ التسجيل :  Jul 2009
 أخر زيارة : 30-06-2013 (04:45 PM)
 المشاركات : 15,137 [ + ]
 التقييم :  64
 الجنس ~
Female
 قـائـمـة الأوسـمـة
التميز الذهبى

وسام الإستحقاق

المراقبة المميزة

وسام العطاء

لوني المفضل : Palevioletred
افتراضي رد: شرح البردة



شكرا لك على هذا الموضوع الجميل

لكن ياريت ماافككت الكلمات الى حروف تذكرنا بداية تعليم الحروف

أ ب ت

ورد في موضوعك حديث

الحديث : 12473 - من عشق فكتم و عف فمات فهو شهيد( خط ) عن ابن عباس . قال الشيخ الألباني : ( موضوع ) انظر حديث رقم : 5698 في ضعيف الجامع
الجامع الصغير
نسمع الان مسميات غريبه شهيد الحب شهيد الفن ...الخ

شكرا لك وموفق بإذن الله ...داائما


 
من مواضيعي
 توقيع :

#اللهم_بلغنا_رمضان ‬‪♡‬‪
غير فاقدين ولآ مفقودين #

التعديل الأخير تم بواسطة الوان الطيف ; 13-02-2010 الساعة 02:50 AM

قديم 13-02-2010, 02:42 AM   #6
عضو ماسي


الصورة الرمزية المهاجر
المهاجر غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 561
 تاريخ التسجيل :  Aug 2009
 أخر زيارة : 06-10-2014 (05:35 PM)
 المشاركات : 2,441 [ + ]
 التقييم :  56
 قـائـمـة الأوسـمـة
درع التميز الفضى

وسام التقدير

لوني المفضل : Darkred
افتراضي رد: شرح البردة



89 هذا البيت والثمانية أبيات بعده تقع في بعض نسخ النظم وليست بثابتة ،
وذكر بعض الثقات أن الذي زادها الفاضل أبو علي بن الحباب الأندلسي الغرناطي ،
ونظمها لم يباين النظم بوجه مع أن فيها إتمام القصة التي أشار إليها الناظم .
٤٩٥/ ١) فتح الباري : ٢ )
٢) النهر الصغير )
ومعنى البيت حين كثر وقع المطر على البطاح وخشي أهلها من الهدم فشكوا إليه
 صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م ذلك وطلبوا منه الدعاء بإمساكها عنهم والطالب وإن كان
واحدًا لكنه مراد الجمع فدعا الله تعاَلى بالدعاء السابق في الحديث الذي سقناه سابقًا
وفي رواية لمسلم وهي أعلق بلفظ النظم أنه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م قال اللهم حوالينا ولا
علينا اللهم على الآكام والهضاب وبطون الأودية ومنابت الشجر قال الراوي
فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس اه.

90 المعنى أنه بسبب الإحياء أخرجت الأرض ما في قواها الطبيعية من أنواع النباتات
على كثرة أصنافها وتباين صفاا الذي به انتفاع الناس في أنفسهم ونعمهم وهو أهم
٨٤
 و َألْب  ست حَل ً لا مِ  ن  سندسٍ  وَل  و  ت  ع  مائِمًا بِ ر  ؤوسِ اله  ضبِ  والأُ ُ كمِ ٩١
َفالن  خل باسَِقةُ ت  جُل  و َقلائِ  د  ها مِْثل الْبهارِ  عَلى الْ  خ  دينِ والْعنمِ ٩٢
احتراس لطيف من توهم السببية  بإذن خالقها  شيء عندهم في الغيث وقوله
الحقيقية وإيماء إلى أن الغيث سبب عادي للنبات فقط وأن السبب الحقيقي هو أمر الله
تعاَلى وفق إرادته . ولما كان ما تخرجه الأرض بملاقاة نزول المطر كامنًا في قواها الباطنة
وسبقت الإرادة بأن ذلك لنفع الناس والأنعام كما شهد بذلك الكتاب ايد قال تعاَلى
والَْأر  ض بع  د َ ذلِ  ك  د  حاها َأخ ر  ج مِن  ها ماءَ  ها  ومر  عاها  واْلجِبا َ ل َأر  ساها متاعًا َل ُ ك  م 
حسن كل الحسن استعارة الناظم الأمانة له ووقع ترشيحها بالأداء أجمل   ولَِأنعامِ ُ ك  م
موقع .

91 الحلل جمع حلة بالضم وهي إزار ورداء ولا تكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب له
بطانة ،والسندس ضرب من رقيق الديباج ،واللي جعل الشيء طاقًا فوق طاق ومنه
لويت الحبل فتلته ، والعمائم جمع عمامة وهو ما يلف على الرأس ، والأكم جمع أكمة
بالتحريك ما دون الجبال أو الموضع الشديد الارتفاع . وفي البيت تشبيه ما كسا وجه
الأرض من أنواع النبات والأزهار بالحلل بجامع التجمل بكل.

92 النخل اسم جنس واحدته نخلة والباسقة الطويلة ، وتجلو أي تكشف وتوضح
والقلائد جمع قلادة وحقيقتها ما توضع في العنق للتجمل استعير هنا لعناقيد النخل .
٨٥
وفَا  ر  ق النا  س داءُ اْلَق  حطِ  وانبعَث  ت إَِلى الْمكَارِمِ نفْس النكسِ والْب رمِ ٩٣
إِ َ ذا تتب  ع  ت آياتِ النبِ  ي َفَق  د َأْل  ح ْ ق  ت منَفخِمًا مِن  ها بِ  منَفخِمِ ٩٤
والبهار نبت جعد له لون أصفر ينبت أيام الربيع وهو الذي يقال له ببلاد المغرب
النرجس . وهذا التشبيه إنما ذكر لتكميل حسن النخل ونضارا وذلك بتشبيه حال
ثمرا المنتزع من تدلي أصفرها على خضرة ورقها بحالة البهار المعلق على الخد المعذر.

93 فارق تنحى وانجلى ، والداء المرض وإضافته إلى القحط للبيان أو حقيقية بأن
يراد بالمرض ما ينشأ عن القحط من الآلام والقحط الجدب ،وانبعثت أسرعت
،والمكارم جمع مكرمة وهي الخصلة الحميدة المضادة لصفة اللؤم ، والنكس بكسر
النون الرجل المقصر عن غاية الكرم والجمع أنكاس ، والبرم بالتحريك من لا يدخل
مع القوم في الميسر وهو بخيل عند الجاهلية الأول.
والمعنى أن الناس لما أمطروا فارقهم القحط الذي هو أعظم داء وفارقتهم الأمراض
الناشئة عن القحط وأسرع إلى تحصيل الخصال الكريمة من عرف بالبخل والشح
واللؤم وذلك لغلبة الخير وكثرة الخصب .

94 المعنى إذا استقصيت آيات نبينا  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م ومعجزاته وجدا على
نسق واحد في الفخامة والجلالة كجلالة الآية السابقة من إبراء المرضى وإطلاق
المصابين بلمس راحته الكريمة وإحياء موات الأرض بالغيث بسبب دعائه  صلَّى اللهُ
٨٦
ُق ْ ل لِلْم  حا وِلِ  شاوِ فِي م  دائِحِهِ هِ  ي اْل  م  واهِ  ب َل  م َأ  ش  د  د َل  ها زِيمِي ٩٥
 ولا تُق ْ ل لِي بِ  ما َ ذا نِلْ  ت  جي  د  ها َف  ما يَقا ُ ل لَِفضلِ اللهِ َ ذا بِ َ كمِ ٩٦
 عَليهِ  و  سلَّ  م فما لم يذكر منها كالمذكور في صفته والمراد أا متماثلة في المراد منها من
الدلالة على عظيم قدره  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م وإن اختلفت ضروا وأصنافها.

95 شاوِ: أمر من الشأو وهو السبق ، والزيم جمع زيمة بالكسر قطعة من الإبل
أقلها بعيران أو ثلاثة و أكثرها خمسة عشر ونحوها وكثيرًا ما يكنى بشد الرحل على
التأهب للشيء وأخذ الحزم والجد في تحصيله وهو المراد هنا.
والمعنى حث المريد لمدائحه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م على المسابقة في ميداا لينال منها ما
يتيسر له مما لا يقتضي الإحاطة المتعذرة بعدم حصر كمالاته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م
كما يلوح إلى ذلك التشبيه بالميدان والسبق القاضي بكثرة المزاحمين الطالبين وعلل هذا
أي أا مما تتوفر الدواعي على الرغبة فيها  هي المواهب  الحث بالاستئناف في قوله
لأا هي العطايا النافعة لمن حصل عليها وهي التجارة الرابحة وفيها تنافست الفحول
الك  مل وتسابقت إلى تحصيلها ممن قدر ربحه وفاز قدحه ككعب بن زهير وحسان بن
ثابت وغيرهما ممن تقدم وتأخر ومنهم الناظم . فبهذا البيت بين أن مجال مدائحه لا
يمكن إدراك الغاية له وإن تسابق فيه المتسابقون غير أن ما لا يدرك كله لا يترك
قله.

٨٧
َلولا الْعِنايةُ كَا َ ن الأَم ر فِيهِ  عَلى ح  د ال  سواءِ َف ُ ذو نطْقٍ َ كذِي ب َ كمِ ٩٧
 د  عنِي  و  وصفِ  ي آياتٍ َلُه َ ظ  ه ر  ت ُ ظ  هو  ر نارِ اْلقِ  رى َلي ً لا  عَلى علَمِ ٩٨
96 المعنى أنه لما نفى عن نفسه في البيت السابق صرف العناية واستعمال الحزم في
تحصيل مدائحه وقد أتى منها بما شهد بفضيلته معاصروه وشاعت محاسنه بين الخاصة
والعامة كان حاله مظنة السؤال عن السبب المقتضي لهذه الدرجة فأجاب بأن
ذلك من فضل الله الذي لا يسع سببًا و لا يستدعي حزمًا ولا طلبًا بل مجرد العناية
الإلهية التي إذا منحها العاجز قدر .

97 أي لولا عناية الله تعاَلى وعونه لتساوى الناطق والأبكم في العجز عن المديح
بإلحاق الأول بالثاني ، والعناية الاهتمام والمراد به في حقه تعاَلى لازمه من الإعانة
والأقدار على المراد والأمر بمعنى الشأن ، والسواء الاستواء والمراد هنا الاستواء في
الفعل وعدمه بدلالة لاحقه .

98 القرى الضيافة وناره نار يوقدها الكرام من العرب ليهتدي ا إلى منازلهم
السائر لي ً لا وللاعتناء بإظهارها يجعلوا برؤوس الجبال بحيث يهتدي إليها كل طارق
فإن العلم هو الجبل.  ليلا على علم : ومن ثم قيدها الناظم بقوله
وأما معنى البيت فإنه لما لوح في الأبيات السابقة إلى أن كمالاته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م لا
يحيط ا المديح ،قال هنا : اتركني مع وصفي آياته التي يمكن الإحاطة ا فأصرف
الهمة نحوها دون وصف كمالاا فإن صرف الهمة إلى المعجوز عنه غير معقول
٨٨
فَال  در ي  ز  دا  د حسنًًا  وه  و منتظِم  وَلي  س ينُق  ص َقدرًا غَي ر منتظِمِ ٩٩
وإن تحصل منه شيء فذلك بمجرد الفضل الإلهي. ثم إن الآيات وإن تساوت في
العظمة فهي متفاوتة في ظهور الدلالة على عظمته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م وكان الأعظم
منها أحق بالعناية والذكر بالوصف بالجميل فلذا اقتصر منها على التصريح بآيات
الكتاب ايد وقصة الإسراء .

99 معنى البيت إفصاح بالجواب عن سؤال ينتجه وصف الآيات في سابقه وهو أن
يقال إذا كانت الآيات التي أردت وصفها مثل ما ذكرت من كوا في الظهور كنار
على علم ليلا بحيث لا تخفى محاسنها على أحد فما معنى توصيفها ومدحها إذ لا معنى
للمدح والتوصيف إلا ذكر صفات الممدوح والإعلام ا وحاصل الجواب أن
الخصوصية نظم المديح والإفراغ في قالب البلاغة وفنوا زيادة حسن لتلك الصفات
الحسنه في ذاا وهذا مدرك بالبداهة فإن وجود الصفات في الخارج وإدراكها ولو
حسًا لا يبلغ حسن ذكرها في الأوزان الشعرية والصيغ البلاغية و التشابيه البيانية
والتحسينات البديعية كما أن ذلك الحسن النظمي يزداد بالنغمات المسموعة حسنًا لا
يكون مع مجرد النظم فالحسن في ذاته تزداد كمية حسنه بإدراجه في نظم الكلام البليغ
ولا ينقص حسنه الذاتي بدونه وإن نقص حسنه العارض به وضرب لهذا مث ً لا
محسوسًَا وهو اللؤلؤ فان حسنه الذاتي حاصل نظم أو لم ينظم إذا نظم وفي السلك
ورتب الترتيب التحسيني ازداد حسنه .

٨٩
َف  ما ت َ طا  و ُ ل آمالِ اْل  مدِيحِ إَِلى ما فِيهِ مِ  ن َ ك  رمِ الأَ  خلاقِ وال  شيمِ ١٠٠
آيا  ت ح  ق مِ  ن ال رح  منِ محدَثةٌ َقدِي  مةٌ صَِفة اْل  م  و  ص  وفِ بِالْقِ  دمِ ١٠١
100 التطاول مد الإنسان عنقه قائمًا لينظر إلى ما بعد عنه .
ومعنى البيت إنكار محاولة استقصاء مدائحه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م باستقصاء صفاته
الموجبة للمدح من أخلاقه الكريمة وكثيرًا ما ينفى الشيء إذا كان لا محصول له وإن
أمكن وجوده فالحقيقة إنكار فائدة التطاول لكنه بالغ فيه بإنكار الحقيقة .

101 آية القرآن طائفة منه أقلها ستة أحرف متميزة ببداية وفاصلة ،والرحمن من
أسمائه تعاَلى من الرحمة ، والمحدث الموجد ضد القديم والموصوف بالقدم هو الله تعاَلى.
ومعنى البيت أن من الآيات الدالة على نبوته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م آيات الكتاب ايد
التي هي حق لا ريب فيه المترلة من الله تعاَلى رحمة بعباده كما وصفها به في قوله جل
ومن هنا ظهر اختيار  الم تِلْ  ك آيا  ت اْلكِتابِ الْ  حكِيم َ هد  ى  و  رح  مةٌ لِلْمحسِنِ  ين  اسمه
اسم الرحمن هنا ثم وصف تلك الآيات بوصفين متضادين وهما القدم والحدوث إيماء إلى
أن لها اعتبارين كل وصف منهما لها باعتبار الأول الألفاظ المقررة المتلوة الواردة
على أعلى طرفي البلاغة المعجزة ، والاعتبار الثاني موافق تلك الألفاظ في الدلالة على
المراد منها وهو الكلام النفسي القائم بذاته تعاَلى الذي إذا كشف الحجاب عنه فهم
منه ما يفهم من اللفظ ويسمى كلام الله و قرآنًا أيضا غير أنه ليس من الآيات في
شيء وإنما نسبتها إليه للاشتراك في الدلالة على المراد ، وذا الاعتبار وصفت الآيات
٩٠
َلم ْت ْ قترِ ْ ن بِ  زمانٍ  وه  ي ت  خبِ  رنا  عنِ الْمعادِ  و  ع  ن  عادٍ  و  ع  ن إِ رمِ ١٠٢
 دام  ت َل  دينا َفَفاقَت كُلَّ معجِ زةٍ مِ  ن النبِيي  ن إِ ْ ذ  جاءَت  وَل  م تدمِ ١٠٣
بالقدم وفسر بأا صفة القديم . وأشار الناظم بما ذكر إلى أن الخلاف الشائع بين أهل
السنة والمعتزلة في حدوث القرآن وقدمه ليس على ظاهره الشائع ضرورة أنه لا مساغ
للقول بقدم الألفاظ المترلة كما لا مساغ للقول بحدوث الكلام النفسي إنما التراع في
ثبوت الثاني فأهل السنة يثبتونه ويكون قديمًا لا محالة لأنه صفة ذاتية والمعتزلة ينفونه
فعند أهل السنة لفظ القرآن له معنيان قديم وحادث وعند المعتزلة لا معنى له إلا
الحادث .

102 الاقتران الاجتماع ، والزمان الوقت المقدر بحركة الأفلاك وسير الكواكب
والضمير (نا) يعود للآيات بالاعتبار الأول لأنه الذي به الإخبار ، والمعاد المصير
والمرجع والمراد هنا خصوص مرجع الآخرة ، وعاد قبيلة بعث إليها هود  صلَّى اللهُ  عَليهِ
 و  سلَّ  م سميت باسم عاد بن عوض بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام .
ومعنى البيت أن تلك الآيات مع كوا غير زمانية إذ الزماني ما له أول وهي لكوا
قديمة لا تصاحب الزمان الحادث تخبرنا وتعلمنا بأحوال الماضي من الأمم كعاد وإرم
والمستقبل كالمعاد فهي غير زمانية تخبر عن الزمانيين .

٩١


 
من مواضيعي


قديم 13-02-2010, 02:54 AM   #7
عضو ماسي


الصورة الرمزية المهاجر
المهاجر غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 561
 تاريخ التسجيل :  Aug 2009
 أخر زيارة : 06-10-2014 (05:35 PM)
 المشاركات : 2,441 [ + ]
 التقييم :  56
 قـائـمـة الأوسـمـة
درع التميز الفضى

وسام التقدير

لوني المفضل : Darkred
افتراضي رد: شرح البردة



محكمات فما يبقينمن شٌبه.....لذي شقاق ولا يبغين من حكم
103 الدوام الاستمرار وفاقت علت في الشرف والمعجزة أصلها اسم فاعل من
أعجزني الأمر أي فاتني ولم أستطعه والمراد ا في حق الأنبياء أمر خارق للعادة يقع على
وفق دعوى الرسول وهي بمترلة قول الله تعاَلى صدق عبدي فيما يبلغ عني.
ومعنى البيت إثبات مزية لمعجزة القرآن فاقت ا كل معجزة سواها وقعت على يد نبي
من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهي استمرارها من لدن نزولها إلى انقراض
الدنيا وغيرها من المعجزات تزول بحصول المراد منها من الدلالة على تصديق الرسول
الذي وقعت على يده ، فمن فضل الله تعاَلى على نبيه أن جعل من آياته كتاب تشريعه
المضمون حفظه لتبقى لأمته مدركة مشاهدة . فمن كراماته ومزاياه  صلَّى اللهُ  عَليهِ
 و  سلَّ  م دوام شريعته وهديه ببقاء علماء أمته بخلاف غيره من الأنبياء فإن ما تميز به من
الشرائع قد نسخ .
104 مح ّ كمات جمع مح ّ كمة من ح ّ كمه إذا جعله حاكمًا فمعناه حاكمات متقنات في
نظمها وبلاغتها ممنوعة من تطرق الخلل إليها ، وما يبقين ما يتركن والشبه جمع شبهة
وهي الالتباس ، والشقاق الخلاف والعداوة ويبغين يطلبن ، والحكم بالتحريك الحاكم.
ومعنى البيت أن هذه الآيات حاكمة الحكم الفصل الذي لا تبقى معه شبهة لمخالف من
المتنازعين سواء كان التراع في أصل التصديق وذلك بإعجازها أو في حادثة بين اثنين
وذلك بما تضمنته من الأحكام الشرعية وفي الحديث في وصف القرآن: من حكم به
عدل ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله. كما أا في غاية الإتقان في النظم
وأعلى مراتب البلاغة بحيث لا يطرقها شبهة معاند في كوا من عند الله .

٩٢
ما  حورِبت َقطُّ إِلاَّ  عا  د مِ  ن ح ربٍ َأ  ع  دى الأَ  عادِ  ي إَِلي  ها ملْقِ  ي ال  سَلمِ ١٠٥
 ر  د  ت ب َ لا َ غت  ها  د  ع  وى معارِضِ ها ر  د الْغيورِ ي  د اْل  جانِي عنِ الْ  ح رمِ ١٠٦
105 المعنى أن تلك الآيات ما قصدها مجادل بإنكار وتكذيب ونسبتها إلى غير
حقيقتها كقولهم إا سحر أوأساطير الأولين أو شعر أو أا كلام مجنون إلى غير ذلك
من الأقاويل الباطلة إلا صار ذلك اادل المكذب مسلمًا لها راجعًا عما يدعيه
فمنهم من أسلم وتمت له الهداية ومنهم سبق عليه القضاء فدام على كفره وإن
( سلم للآيات وعرف مقدارها .ومما يشهد لهذا قصة الوليد بن المغيرة . ( ١

١) عن ابن عباس : حين اجتمع الوليد بن المغيرة ونفر من قريش وقد حضر الموسم ليجتمعوا على رأي واحد فيما يقولون في )
محمد صلى الله عليه وسلم لوفود العرب فقالوا فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم رأيا نقوم به فقال بل أنتم فقولوا أسمع فقالوا نقول
كاهن فقال ما هو بكاهن لقد رأيت الكهان فما هو بزمزمة الكاهن وسحره فقالوا نقول هو مجنون فقال ما هو بمجنون ولقد رأينا
الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته فقالوا نقول شاعر قال ما هو بشاعر ولقد عرفنا الشعر برجزه وهزجه
وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر قالوا فنقول هو ساحر قال فما هو بساحر لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه
ولا عقده فقالوا فما نقول يا أبا عبد شمس قال والله إن لقوله لحلاوة وإن أصله لمغدق وإن فرعه لجنى فما أنتم بقائلين من هذا شيئا
إلا عرف أنه باطل وإن أقرب القول أن تقولوا ساحر يفرق بين المرء وبين أبيه وبين المرء وبين أخيه وبين المرء وبين زوجه وبين المرء
وبين عشيرته فتفرقوا عنه بذلك فأنزل الله عز وجل في الوليد بن المغيرة ذرني ومن خلقت وحيدا إلى قوله سأصليه سقر .
( ١٥٧ / (شعب الإيمان : ١
106 المعنى أن هذه الآيات لكوا في أعلى طرفي البلاغة الذي هو حد الإعجاز
صرفت و أبطلت دعوى المعارض لها المدعي الإتيان بمثلها بعد التحدي وطلب منه
ذلك الطلب التعجيزي كما صرحت بذلك الآيات الكريمة فكان العجز صفتهم
٩٣
َل  ها معانٍ َ ك  موجِ الْبحرِ فِي م  ددٍ  وَفو  ق  جو  هرِهِ فِي الْ  حسنِ والْقِيمِ ١٠٧
والفضيحة نتيجة دعواهم والمذلة ثمرة ما غرسه هواهم مع تحريك حميتهم بتسفيه
أحلامهم وحط أعلامهم وتشتيت نظامهم وذم آلهتهم وآبائهم وهو ينادي بضعًا
َأ  م يقُوُلو َ ن اْفت  راه ُق ْ ل َفْأتوا بِ  سو  رةٍ مِْثله  وا  د  عوا منِ ا  ست َ ط  عت  م مِ  ن  دونِ  وعشرين عامًا
فلم يكن منهم إلا نكس الرؤوس ومخادعة النفوس بأنه افتراء أو  الله إِ ْ ن ُ كنت  م صادِقِ  ين
سحر أو أساطير الأولين وهم إذ ذاك تجار سوق البلاغة النافقة لا يشكون أن البلاغة
طوع مرادهم وصياغة الكلام ملك قيادهم قد حووا فنوا مع كثرة أنواعها ولم يكن
ما عجزوا عن مثله إلا على منوال لغتهم التي ا يتحاورون ومنازعهم التي عنها
يناضلون ومن ثم أدركوا حسن فواضله وأذعنوا للمعجز من آياته وفواصله.

107 المعنى أن لتلك الآيات معاني كثيرة لا تحصى ولا تقف عند حد بل ما من معنى
وصل إليه الذهن إلا وظهر بعده معنى وهكذا إلى أن يقف الإدراك البشري ولا
تستوفى المعاني كما أن البحر عند اضطرابه تتولد فيه أمواج متعاقبة واحدة بعد أخرى
فهي دائمة ما دام الاضطراب في استمداد بعضها من بعض استمدادا يقف دونه
الإدراك . وقد تلطف في هذا التشبيه ما شاء فإن أمواج البحر يتولد بعضها من بعض
كذلك المعاني البلاغية يتولد بعضها من بعض مع مناسبة المقام والمراد من النسبة إلى
الجوهر ظاهر يعني أن شرف معاني هذه الآيات يزيد المعاني البلاغية التي هي مناط
الإعجاز في شرفها وحسنها فوق الجواهر المعروفة بالشرف والحسن.

٩٤
َف  ما تع  د  و َ لا تح  صى  ع  جائِبها  و َ لا تسام  عَلى الإِكَْثارِ بِال  سَأمِ ١٠٨
قَ  ر  ت بِ  ها  عين قَارِي ها َفقُلت َله َلَق  د ظَفِر  ت بِحبلِ اللهِ َفا  عتصِمِ ١٠٩
إِ ْ ن تتُل  ها خِيَفًة مِ  ن ح ر نارِ َل َ ظى َأطَْفأْ  ت ح  ر َل َ ظى مِ  ن وِ  ردِ  ها ال  شبِمِ ١١٠
108 المعنى أن هذه الآيات لما كانت معانيها في الكثرة التي لا تتناهى والحسن الذي
لا يباهى لا يمكن عدها ولا الإحاطة ا و لا تمل مع تكرارها وهذا ما فاقت به الجواهر
فإا وإن كانت ملائمة للطبع بحسنها لكنها يلحقها الملل بالإكثار من تداولها
وتسأمها الأنفس وكذلك الشأن في كل كلام مكرر. وآيات الكتاب على خلاف ذلك
فإا ما ذكرت إلا وكانت لها حلاوة ورونق مستأنفان كأا أول ما طرقت السمع.

109 المعنى أن قارئ تلك الآيات الكريمة حصل من السرور والفرح وما يلائم
روحه ما أوجب نشاط نفسه وانبساطها وأنه جدير بأن يهنأ بذلك ويقال له لقد
فزت بمطلوبك وهو حبل الله المتين وعهده الوثيق فاعتصم به من كل مخيف في الدنيا
والآخرة. وشواهد هذا كثيرة منها قوله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م:"إني تارك فيكم
خليفتين كتاب الله حبل ممدود بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وإما لن يفترقا
( حتى يردا على الحوض." ( ١

(١٠٣٢) -٦٠٣/ ١) فضائل الصحابة لابن حنبل : ٢ )
110 المعنى أن هذه الآيات الكريمة إذا تلاها الإنسان تقربًا إلى الله ا قصد النجاة من
عذاب النيران يوم القيامة كانت نجاة له منها. وشواهد هذا من السنة كثيرة منها ما
٩٥
َ كَأن  ها اْل  ح  و  ض تبي  ض اْل  و  جوه بِهِ مِ  ن الْعصاةِ  وَقد  جاءُوه َ كالْح  ممِ ١١١
 و َ كال  صراطِ  و َ كاْلمِي  زانِ مع  دَلًة َفاْلقِ  س ُ ط مِ  ن َ غيرِ  ها في الناسِ لم يُقمِ ١١٢
رواه مسلم من حديث أبي أمامة الباهلي  رضِ  ي اللهُ  عنه قال سمعت رسول الله  صلَّى اللهُ
(  عَليهِ  و  سلَّ  م يقول: "اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه." ( ١

111 الضمير للآيات والحوض معروف وهو حوضه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م وتبيض
الوجوه كناية عن التنعم الظاهر أثره بحسن البشرة ،و العصاة جمع عاص ، والحمم
كصرد الفحم والمراد من التشبيه التكنية عن بلوغ الشدة ولهيب العطش حتى يتغير
البدن وتسطو حرارة الدم فيسود.
والمعنى أن هذه الآيات في ارتياح القارئ لها وانشراح صدره ا وانزياح ظلمة
الجهالة عن صدره بتلاوا كأا حوضه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م في تنعم أمته بالورود منه
حين يردونه وقد اشتد م عطش الموقف حتى تتغير بشرم فيشربون منه وقد صار
سوادهم بياضًا وبؤس ما يجدونه تنعمًا .

(٢٢٢٤٧) -٢٥٤/ ١) مسند أحمد : ٥ )
112 المعنى أن هذه الآيات الشريفة طريق موصل إلى الهدى لمن تمسك به وعمل
بما فيه كالطريق المحسوس الموصل إلى المقصود الذي لا يضل سالكه وهي المبينة
٩٦
لا ت  ع  جب  ن لِ  حسودٍ را  ح ينكِ  ر  ها تجاه ً لا  وه  و  عين الْ  حاذِقِ الْفَهِمِ ١١٣
َق  د تنكِر اْلعي  ن  ضوءَ ال  شمسِ مِ  ن رمدٍ  وينكِر الَفم َ طع  م الْماءِ مِ  ن سَقمِ ١١٤
يا  خي ر م  ن ي  م  م اْلعاُفو َ ن  سا  حته سعيًا  وَفو  ق متونِ الأَينقِ ال  ر  سمِ ١١٥
للحقوق والأحكام بيانًا عاد ً لا لا يقع حيف ولا جور به كالميزان المحسوس . والمراد
بالناس الأمة المخاطبة ا ولا يخفى أنه لا يمكن العدل فيهم إلا من هذه الآيات .

113 المعنى لا غرابة في إنكار من غلب على قلبه الحسد لتلك الآيات الكاملة
الباهرة البالغة الدرجة العليا في الكمال أي إنكار كوا آية من عند الله توص ً لا بذلك
إلى إنكار تصديق من جاء ا  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م وذلك لما انطبعت عليه النفوس من
حسد كل ذي نعمة .

114 المعنى أن العين الرمداء تنكر ضوء الشمس لعدم إدراكها والمريض لانحراف
مزاجه ينكر طعم الماء وليس ذلك لعدم ضوء الشمس وعدم طعم الماء وإنما ذلك
لسلب الإدراك عن المدرك بسبب العارض فلا يكون ذلك قادحا فيهما . والمراد
ضرب المثل لإنكار الآيات من الحاسدين فإن إنكارهم لا يضر رفعة شأا وعلو رتبتها
لعارض الحسد كما لا يضر إنكار الأرمد للشمس والسقيم لطعم الماء .

٩٧
 ومن  ه  و الآيُة اْل ُ كب رى لِ  م  عتبِرٍ  ومن ه  و الن  ع  مُة اْلع ْ ظ  مى لِ  مغتنِمِ ١١٦
 س  ري  ت مِ  ن ح رمٍ َلي ً لا إَِلى ح رمٍ َ ك  ما  س  رى اْلب  د  ر في داجٍ مِ  ن الظُّلَمِ ١١٧
115 يممته قصدته ومنه تيمم الصعيد للصلاة ، والعافون جمع عاف وهو طالب
المعروف ، والمتون جمع متن وهو الظهر ، والأينق جمع ناقة والأصل ،والرسم بضم الراء
والسين جمع رسوم وصف للناقة التي تؤثر في الأرض من شدة الوطء.
والمعنى وصفه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م بأنه افضل مقصود للسؤال لتحقق أنه بحر الفضل
والنوال وأنه أكرم من يممت أعتابه ورجيت لنيل المراد أبوابه والمراد من ذكر قسمي
العافين من المشاة والركاب تعميم الإحاطة ، وفيه إيماء لطيف إلى نيل فضيلة الإسراء
وما حصل فيها من المزايا والمكارم مناسبة لما تخلق به  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م من أعلى
رتبة الكرم البشري حتى كان حقيقًا بأن يسعى إليه كل مؤمل .

116 المعنى أنه عليه الصلاة والسلام الآية الكبرى الدالة على توحيد الله تعاَلى
وتوحده بصفات الجلال والجمال وأنه المستحق للعبادة وذلك أن المراد من بعثة الرسل
عليهم الصلاة والسلام الدلالة على توحيد الله تعاَلى وهداية الخلق لعبادته وإظهار ما
أظهر على أيديهم من المعجزات تدعيمًا للمراد منهم ولما كانت آياته  صلَّى اللهُ  عَليهِ
 و  سلَّ  م أعظم الآيات وأكبرها كان هو الآية الكبرى الدالة على ذلك المراد ثم لما كانت
بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام مجرد تفضل من الله ونعمة كما هو مذهب أهل
الحق كان كل رسول نعمة لا محالة فيكون أشرف الرسل وأكرمهم هو النعمة العظمى.

٩٨
 وبِ  ت ترَقى إَِلى َأ ْ ن نِلْ  ت منزَِلًة مِ  ن َقاب َقو  سينِ َل  م ت  د  ر  ك  وَلم ت رمِ ١١٨
 وَق  دمت  ك  جمِي  ع الأَنبِياءِ بِ  ها  وال  ر  سلِ تقْدِي  م م  خ  د  ومٍ  عَلى خ  دمِ ١١٩
 وَأن  ت تخترِق ال  سب  ع الطِّبا  ق بِهِ  م في م  وكِبٍ كُن  ت فِيهِ صاحِ  ب الْعلَمِ ١٢٠
117 المعنى أن من آياته البينة التي لا سترة في كوا آية قضية المعراج الثابتة بنص
أي أنه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م  سريت  الكتاب ايد فبدأ حكايتها من مبدئها بقوله
سار في الليل من حرم مكة إلى المسجد الأقصى الذي لا يتيسر بلوغه إلا بليال ذوات
عدد كسير البدر في الليل الشديد الظلمة .

118 المعنى أنه عليه الصلاة والسلام لما بلغ المسجد الأقصى عرج به إلى السماء
فبات يصعد في درج الارتفاع إلى أن بلغ مرتبة القرب التي لم يبلغها أحد ولم تخطر ببال
أحد لعلو شأا وبعد شأوها . ثم صريح النظم أن الذي كان قاب قوسين هو النبي
 صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م وهو الداني المتدلي في آية النجم .

119 المعنى أن جميع الأنبياء والرسل اعترفوا بتقديمه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م بتلك
المترلة التي نالها من ربه ليلة الإسراء وعلموا ا أنه أشرفهم وأكرمهم عند ربه
وذلك باطلاعهم على مترلته تلك وما أعلمهم الله ا كما أشار إلى ذلك أخذ العهد في
.  َقاُلوا َأْق  ر  رنا  إلى قوله  وإِذْ َأ  خ َ ذ الله مِيَثا  ق النبِي  ين   قوله جل اسمه

٩٩
 حتى إِ َ ذا َل  م ت  د  ع  شأْوًا لِ  مستبِقٍ مِ  ن ال  دن  و  ولا م  رَقى لِ  مستنِمِ ١٢١
 خَفض  ت ُ كلَّ مَقامٍ بِالإِ  ضاَفةِ إِ ْ ذ نودِي  ت بِال  رفْعِ مِثْ َ ل الْ  مفْ ردِ الْعلَمِ ١٢٢
120 الموكب الجماعة ركبانًا أو مشاة ، والعلم الراية وصاحب العلم كناية عن
الرياسة.
والمعنى وقدمتك جميع الأنبياء في حال كونك مجاوزًا السماوات السبع في جماعة من
الملائكة الكرام اجتمعوا اجتماع زينة اهتماما بقدومك كما يفعل بملاقاة العظماء
الخ. عن كونه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م في ذلك الموكب  كنت فيه  واحترس بقوله
أجنبيا منه تلقى به تعظيمًا فأفاد بأنه أصيل فيه بل هو عماده وبه احتفلت زينته وذا
يستفاد من النظم أنه أفضل من الملائكة كما استفيد مما قبله أنه أفضل من الأنبياء
فلله دره ما أمتن نظمه رحمه الله.

121 الشأو الغاية والأمد والمستبق المسابق والدنو القرب والمرقى جمع مرقاة وهي
الدرجة والمستنم اسم فاعل من استنم أي علا .

122 معنى البيتين أنه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م لم يزل راقيًا في مقامات العلى حتى إذا
بلغ منها المرتبة التي لم تبق بعدها مرتبة وغاية يطمح فيها المتسابق ويحدث نفسه ا
المتسنم الطالب للعلو ظهر انحطاط كل مقام بسبب تلك النسبة والإسناد الذي بلغه إذ
دعي في ذلك المقام دعاء مصاحبًا لرفع شأنه وهو الفرد الذي ساد قومه . والمراد
بالنداء نداؤه للمعراج وللدخول إلى حيث لم يصل إليه نبي غيره وخصوص النداء
١٠٠
َ كي  ما تُفو  ز بِ  و  صلٍ َأ  ي مستتِرٍ  عنِ اْلعيونِ  وسِ ر َأ  ي م ْ كتتِمِ ١٢٣
بصيغته فقد "روي أنه عليه السلام لما وصل إلى العرش وهو منتهى الكون والمكان قيل
له السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فقال السلام علينا وعلى عباد الله
( الصالحين." ( ١

123 المعنى كان ما كان من الترقي ونيل المترلة والوصول إلى مرتبة انحطت عنها
جميع الرتب لتنال الوصل المستتر أكمل استتار عن عيون كل الأغيار وتظفر بالسر
المكتوم الذي لم يطلع عليه ملك مقرب و لا نبي مرسل فيتحقق مقام المحبوبية بلا ريب
فإن شأن وحال المحبوب الاستتار لإظهار مكانته بالانفراد ولله در الفارضي إذ يقول
على لسان الحضرة المحمدية:
ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا سر أرق من النسيم إذا سرى
وقد وقع التصريح بما أفاده ذلك التلويح عن الوصول إلى سدرة المنتهى . وأما السر
المشار إليه في البيت فهو العلوم الربانية والأسرار القدسية التي ملأ ربه ا قلبه حتى
َفأو  حى إلى  عبدِهِ  صار مدينة العلم ولتهويل شأن ذلك جاء الإام في قوله جل اسمه
.  ما أو  حى

٤٢٥/ ١) تفسير القرطبي : ٣ )
١٠١
َفحز  ت كُلَّ َف  خارٍ غَي ر مشت  ركٍ  وجز  ت كُلَّ مَقامٍ غَي ر مز دحِمِ ١٢٤
 و  جلَّ مِقْدا ر ما أُولِي  ت مِ  ن  رتبٍ  و  ع  ز إِدرا  ك ما أُوتِي  ت مِ  ن نِعمِ ١٢٥
124 حوز الشيء ضمه إلى النفس ، والجواز تعدي الشيء وقطعه.
والمعنى حزت كل فخار لا اشتراك فيه وجزت كل مقام لا ازدحام فيه فيكون مدحًا
عاليًا إذ يقتضي المشاركة والانفراد وهو المراد .

125 معنى البيت واضح وهو مضمون سابقه على عكس ترتيبه إلا أن الأول أفاد
أنه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م حصل على الأمرين فيه وأفاد ذا الإنباء عن عظم شأن ذينك
الأمرين فكان لكل معنى.
وأصل قصة الإسراء التي عقد الناظم فيها هذه الأبيات ثابت بنص الكتاب قال جل
سب  حا َ ن الَّذِي َأ  س  رى بِعبدِهِ َلي ً لا مِ  ن الْ  مسجِدِ اْل  ح  رامِ إلى الْمسجِدِ اْلَأْق  صى   ثناؤه
وفي الأحاديث الصحيحة .  الَّذِي با  ر ْ كنا  ح  وله لِنرِيه مِ  ن آياتِنا
واعلم أن مذهب معظم السلف والمسلمين أن الإسراء بجسده  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م
( يقظة ، وهو قول ابن عباس  رضِ  ي اللهُ  عنهما وكثير من الصحابة .( ١

١) المسألة الأولى وهي هل كان إسراء بروحه أو جسده اختلف في ذلك السلف والخلف فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح ولم )
يفارق شخصه مضجعه وأا كانت رؤيا رأى فيها الحقائق ورؤيا الأنبياء حق ذهب إلى هذا معاوية وعائشة وحكي عن الحسن
وابن إسحاق وقالت طائفة كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح واحتجوا بقوله تعالى سبحان الذي
أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء قالوا ولو كان الإسراء بجسده إلى
زائد على المسجد الأقصى لذكره فإنه كان يكون أبلغ في المدح وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه كان إسراء بالجسد وفي
اليقظة وأنه ركب البراق بمكة ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه ثم أسري بجسده وعلى هذا تدل الأخبار التي أشرنا إليها
١٠٢
ب  ش  رى َلنا مع  ش  ر الإِ  سلامِ إِنَّ َلنا مِ  ن الْعِنايةِ ركْنًا غَي ر منهدِمِ ١٢٦
َل  ما  د  عا اللهُ  داعِينا لِطَا  عتِهِ بَِأكْ رمِ ال  رسلِ ُ كنا َأكْ رم الأُممِ ١٢٧
 را  ع  ت ُقُلو  ب العِ  دا َأنباءُ بِ  عَثتِهِ َ كنبَأةٍ َأجَفَلت ُ غفْ ً لا مِ  ن الْغنمِ ١٢٨
والآية وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة ولايعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة ولو كان مناما
( ٢٠٨ / لقال بروح عبده ولم يقل بعبده . (تفسير القرطبي : ١٠
126 المعنى لما تبين من رتبته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م ما تبين وشرح من مقامه وما
فضله الله به مما شملته قصة الإسراء الذي به إظهار فضله وتميزه على كل نبي
مرسل وكان من البين أن شرف المتبوع يستدعي شرف التابع فلا جرم كانت أمة
الإجابة وهم معاشر الإسلام جديرين بالبشرى والسرور وحقيقين بالفرح والحبور
حيث كان انتسام إلى ذلك المقام المعظم شأنه الدال ذلك الانتساب على كمال عناية
الله م ولله در الإمام الشافعي إذ يقول:
ومما زادني شرفًا وتيهًا وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي و أن صيرت أحمد لي نبيا

127 المعنى لما ساق الله الباعث من أنفسنا الذي هو مناط التكليف وهداه إلى طاعته
كنا  م  ن يطِعِ ال ر  سو َ ل َفَقد َأطَا  ع الله   صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م التي هي طاعة الله تعاَلى
ُ كنت  م خي ر  معشر الإسلام ايبين المطيعين بإجابة أكرم الرسل أكرم الأمم قال تعاَلى
. أُمةٍ أُخرِ  جت لِلناسِ

١٠٣
ما زا َ ل يلَْقاهم فِي كُلِّ معت ركٍ  حتى  ح َ ك  وا بِاْلَقنا َلحمًا  عَلى  و  ضمِ ١٢٩
128 راعه يروعه روعا أفزعه ،و النبأة الصوت وقيل الخفي وجفلت الغنم وأجفلت
أسرعت في الهروب و أجفلها غيرها صيرها جافلة والغفل جمع غافل .
والمعنى أن أخبار مبعثه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م التي صدرت من الكهان والمنجمين
وغيرها أفزعت قلوب الأعادي لدينه لما كانوا يسمعون أن دينه سيظهر على كل دين
وأنه يسفه أحلامهم ويبيد ضلالهم ويضع السيف في رقاب مخالفيه فتحيروا لذلك
أشد التحير وذهبوا كل مسلك يرونه منجيًا من أمره مذبذبين لا يدرون أين المقصد
النافع كما هو شأن غفل الغنم إذا سمعت صوتًا مفزعًا فتنفر شذر مذر ولات حين مفر.

129 القنا جمع قناة وهي الرمح ، و الوضم ما يوضع عليه اللحم من الخشب ونحوه
ليتوقى به الأرض ويقال للحقير الذليل لحم على وضم على طريقة الاستعارة .
والمعنى أن الكفار الذين روعتهم أنباء بعثته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م شاهدوا ما خافوه
ولحقهم ما تطيروا منه من وقع السيف فيهم وإصابة الرمح لهم حتى جرعوا كأس
المذلة وكسوا لباس الهوان فصاروا لغاية مذلتهم كاللحم على الوضم وفي اختيار
هذا التشبيه للمذلة مناسبة تامة للتشبيه في البيت السابق أي كما أن نفرة الغنم وفزعها
من الصوت غير مانع من استئصالها ومآلها أن تكون لحما على وضم كذلك نفرة
الكفار عند سماع مبعثه لم يكن نافعًا ومآلهم بعنادهم المذلة والهوان.
١٠٤
 و  دوا اْلفِرا ر َف َ كا  دوا ي  غبِ ُ طو َ ن بِهِ َأشلَاءَ  شاَل  ت م  ع العِ ْ قبانِ  و ال ر  خمِ ١٣٠
ت  مضِي اللَّيالِي  و لا يد رو َ ن عِ  دت  ها ما َل  م ت ُ ك  ن مِ  ن َليالي الأَشهرِ ا ُ لحرمِ ١٣١

130 أشلاء جمع شِْلو وهو العضو من اللحم وأشلاء الإنسان أعضاؤه بعد البلا
والتفرق ، وشالت ارتفعت والعقبان جمع عقاب وهو الطائر المعروف والرخم جمع رخمة
وهو طائر معروف ويقال له الأنوق وعشه لا ينال .
والمعنى أن العدا بسبب ما لحقهم من المذلة والهوان تمنوا الفرار والنكوس بالإدبار
فما حملهم على تمنيه مع عدم الفوز به إلا الهوان الأعظم وبعض الشر أهون من
بعض ، أي أم غبطوا الأموات منهم الذين طارت العقبان والرخم بأعضائهم .

131 معنى البيت أن المشركين لشدة ما داخل قلوم وخامر نفوسهم وشغل بواطنهم
من الرعب والفزع من أهوال مواقع قتال الصحابة  رضِ  ي اللهُ  عنهم انتفى عنهم
الإدراك حتى كأم لا يدركون أول المدركات وهو عدد الأيام الذي يستوي في العلم
به النبيه والغبي فما الظن بإهمال مشاعرهم وإقامة مواسمهم المنوطة بتعيين الأيام وتعطيل
سائر ضروريام والروع إذا استولى على القلب حجب الإدراك وأثبت شبه الوله
وحير الأفكار وربما تفاقم أمره حتى يعقبه الموت . وتحريم القتال في الأشهر الحرم كان
من عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وذلك لما دعا إبراهيم عليه السلام لذريته
أن يجعل أفئدة من الناس وى إليهم فكان فيما  بِوادٍ َ غيرِ ذِي  زرعٍ  بمكة إذ كانوا
١٠٥
َ كَأن  ما ال  دي  ن ضيف حلَّ  سا  حتهم بِكُلِّ قرمٍ إَِلى َلحمِ العِ  دا قَرِمِ ١٣٢
يج  ر بح ر  خمِيسٍ َف  و  ق  سابِ  حةٍ ي  رمِي بِ  موجٍ مِ  ن الأَب َ طالِ ملْتطِمِ ١٣٣
فرض على الناس من حج البيت قوام لمصلحتهم ومعايشهم ثم جعل الأشهر الحرم أربعة
ثلاثة سردًا وواحدًا فردًا وهو رجب أما الثلاثة فللحجاج واردين إلى مكة وصادرين
عنها شهرًا قبل شهر الحج وشهرًا بعده قدر ما يصل الراكب من أقصى بلاد العرب ثم
يرجع وأما رجب فللعمار يأمنون فيه مقبلين وراجعين نصف شهر للإقبال ونصفه
للرجوع إلى أن جاء الإسلام فكان القتال فيه محرمًا صدرا من الإسلام ثم أباحته آية
مِن  ها َأربعةٌ  ح  رم َ ذلِ  ك ال  دي  ن  السيف وبقيت حرمة الأشهر الحرم لم تنسخ قال تعاَلى
فتعظيم حرمتها باق وإن أبيح القتال فيها .  الَْقيم َفلا تظْلِموا فِيهِ  ن َأنفُ  سكُم

132 القرم السيد ، والقرم بكسر الراء صفة من قرم إلى اللحم أي اشتهاه .
والمعنى كأن دين الإسلام لما نزل بساحة ديار العدا من الكفار ضيف بمعشر من السادة
كل منهم يشتهي لحوم العدا حل بديارهم وهم أقرى الناس للضيف و أبعد من معرة
اللؤم فلا جرم ينيلون ضيفهم خصوصًا إذا كان سيدا ما يشتهيه والمراد التلميح بسرعة
وقع سهام الإسلام فيهم وسهولة استئصالهم حتى كأنه أمر وقع عن طيب أنفسهم.

133 يجر يقود وضميره للدين ، والخميس الجيش سمي به لأنه مخمس مقدمة وقلب
وميمنة وميسرة وساق وإضافة البحر إليه من إضافة المشبه به إلى المشبه وسابحة وصف
للفرس يقال فرس سابح إذا مد يده للجري ، و التطام الأمواج ضرب بعضها ببعض.
١٠٦
مِ  ن ُ كلِّ منتدِبٍ لِلَّهِ م  حتسِبٍ ي  س ُ طو بِمستأْصِلٍ لِْل ُ ك ْ فرِ مص َ طلِمِ ١٣٤
 حتى َ غ  دت مِلَّةُ الإِ  سلامِ  وه  ي بِهِ  م مِ  ن بعدِ غُربتِ  ها م  و  صوَلَة ال رحِمِ ١٣٥
والمعنى أن الدين يقود إلى الكفار جيشًا كالبحر في اتساعه وعظم أهواله متعاقبة
أبطاله في الإقدام تعاقب أمواج البحر تحملهم سابحة . ومن هنا ورد الحث على
الاجتماع وعدم التفرق وجاء يد الله مع الجماعة ويؤيد هذا المحمل نسبة الجر إلى الدين
المفيد أن ذلك الجيش لا محرك له إلا الدين وأن تكون كلمة الله هي العليا والباعث
إذا كان دينيًا كان أشد وحدة و أبعد شيء عن التفرق .

134 المنتدب اسم فاعل انتدب للأمر أجاب إليه ، ومحتسب من احتسب فع ً لا قدمه
و ادخره ، والسطو القهر بالبطش والمستأصل القالع و المصطلم من الصلم بمعنى القطع
أو قطع الأذن والأنف.
والمعنى أن أولئك الأبطال كل منهم مسرع لدعاء الله تعاَلى و رسوله إلى القتال
والجهاد محتسب أجره في ذلك عند الله أي جاعل قتاله ذخرًا عند الله وذلك بكمال
إخلاص العمل لله دون شائبة غرض آخر وأن كلا منهم ذو آلة قاطعة للكفر قالعة
له وحيث كانوا في الإخلاص بذلك الوصف ولهم من الآلات ما شرح حاله
فما الظن بمواقعهم في العدو كالدليل المؤيد لما قبله .



 
من مواضيعي


قديم 13-02-2010, 03:03 AM   #8
عضو ماسي


الصورة الرمزية المهاجر
المهاجر غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 561
 تاريخ التسجيل :  Aug 2009
 أخر زيارة : 06-10-2014 (05:35 PM)
 المشاركات : 2,441 [ + ]
 التقييم :  56
 قـائـمـة الأوسـمـة
درع التميز الفضى

وسام التقدير

لوني المفضل : Darkred
افتراضي رد: شرح البردة



المعنى ما زال الإسلام يقود الجيوش من أولئك الأبطال المرة بعد المرة وسيوفهم
ونبالهم تفعل بالعدا ما تفعل حتى نصر الله الدين وأظهر ملة الإسلام وصارت في
١٠٧
م ْ كُفوَلًة َأبدًا مِن  ه  م بِ  خيرِ َأبٍ  و  خيرِ بعلٍ َفَل  م تيت  م  وَل  م تئِمِ ١٣٦
 ه  م الْجِبا ُ ل َف  س ْ ل  عن  ه  م مصادِمهم ما َ ذا  رَأى مِنهم فِي كُلِّ مص َ ط  دمِ ١٣٧
حمية من عصابتهم ومنعة من عشائرهم بعد أن كانت في جهالة وغربة و خمول لقلة
الأنصار ففيه تشبيه حالة الإسلام بحالة من يكون غريبًا لقلة عشائره ثم كثرت أهلوه
وأقاربه فظهر أمره وعز نصره ، وكان من حكمة الله تعاَلى أن سبق الإيمان برسول الله
 صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م من أبعد الناس نسبًا به و تأخر إسلام قومه وبني عمه فإنه لو بادر
أهله بالإسلام لقيل قوم أرادوا الفخر برجل منهم وتعصبوا له عصبية قرابة .

136 المعنى أن ملة الإسلام صارت في كفالة أبدية من حماية أولئك الأبطال كفالة لا
يتطرقها خلل لأا فيهم ما بين شفقة الأبوة القاضية طبعًا بجلب الكمال وغيرة البعولة
القاضية برفع الصائل المريد هتك الحرمة وليس في الطباع البشرية أقوى من هاتين
والمراد أن جملة أولئك الأبطال حصل منهم لحماية الملة مجموع ما يحصل من حماية الأب
والزوج .

137 الضمير إلى الأبطال والجبال استعير هنا للأبطال لشدة وطأم على الكفار وقوة
ثبام في الحروب ، المصادم اسم فاعل من صادمه إذا ضاربه وقارعه والمصطدم محل
الفعل.
١٠٨
 و  سلْ  حنينًا  و  سلْ بدرًا  و  س ْ ل أُحدًا ُف  ص  ول  حتفٍ َل  ه  م َأ  د  هى مِ  ن ال  و  خمِ ١٣٨
والمعنى أم كالجبال في شدة الوطأة والثبات فسل من وقف لهم في المعارك وذاق
طعم بأسهم فإنه عليم بذلك إذ قد شاهد منهم في كل معترك أمرا هائ ً لا وكونه في
الكل شاهد على أنه الدين حتى لا يكون اتفاقيًا في بعض المواقع .

138 حنين واد قريب من الطائف ،وبدر اسم بئر بينه وبين المدينة من طريق مكة
ثمانية وعشرون فرسخا ، و أحد جبل بالمدينة سمي ذا الاسم لتوحده وانقطاعه عن
جبال أخر هناك ، وفصول جمع فصل مراد به الضرب والنوع على التجوز ، والحتف
الموت ولهم ضمير للعدا وهم الكفار وأدهى صيغة تفضيل من دهاه الأمر أصابه
بداهية وهي الأمر العظيم والوخم مرادف للوباء .
والمعنى سل تلك الأماكن التي هي مواقع مشهورة لبعض حروب الصحابة رضِ  ي اللهُ
 عنهم عن أنواع الحتوف التي لحقت الكفار بسبب تلك الحروب ما بين طعن بالنبال
وضرب بالسيوف وغيرهما مما عم جميعهم أمره حتى كان عليهم أدهى وأعظم من
الوباء، وسؤال الأماكن والديار أمر مشهور مستعذب في الأدبيات ، واقتصار الناظم
على هذه الوقائع لأا أشهر غزواته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م وا ظهر عز الإسلام ونزل
في شأا الآيات القرآنية .

١٠٩
َأْل  م  صدِرِي البِيض  حمرًا بع  د ما  و  ر  دت مِ  ن العِ  دا كُلَّ مسو  د مِ  ن الِّل  ممِ ١٣٩
والْكَاتِبِي  ن بِسمرِ الْخطِّ ما ت  ر َ ك  ت َأقْلام  هم  حر  ف جِسمٍ غَي ر منعجِمِ ١٤٠
إِ ْ ن قَام فِي  جامِعِ الْ هي  جاءِ  خاطِبهم تصام  مت  عنه ُأ ْ ذنا صِ  مة ال  صممِ ١٤١
139 الإصدار الإرجاع والبيض جمع الأبيض مرادًا به هنا السيف والورود ضد
الصدور واللمم جمع لمة وهي الشعر ااوز شحمة الأذن فإذا بلغ المنكبين فهو الجمة.
والمعنى أعني بالموصوفين بتنويع الحتوف في تلك الوقائع الذين يصدرون السيوف حمرًا
من دم الكفار بعد ما وردت أعناقهم وفعلت في لممهم و رؤوسهم ما هو فعلها .

140 الكاتبين جمع كاتب من كتب بمعنى خطَّ مستعار هنا لتخطيط الأجسام بأسنة
الرماح والسمر جمع أسمر بمعنى الرمح والخط بمعنى الكتاب والمراد هنا موضع باليمامة
تجلب إليه الرماح من الهند فتق  وم وإليه تنسب الرماح الخطية ،والأقلام جمع قلم
الكتاب مستعار هنا للأسنة ،وحرف كل شيء طرفه ، و منعجم اسم فاعل من انعجم
بمعنى أزال عنه العجمة.
والمعنى والموقعين سهامهم في جميع أطراف أجسام العدا موقع الإعجام في حروف
التهجي بحيث أنه ما أصابت سهامهم إلا مقاصدهم بالرمي ولم تكن الإصابة اتفاقية
وذلك شأن الكاتب المعجم للحروف .

١١٠
 شاكِي ال  سلاحِ َل  ه  م سِي  ما تمي ز  هم  واْل  و  ر  د يمتا  ز بِال  سي  ما مِ  ن ال  سَلمِ ١٤٢
ت  هدِي إَِلي  ك رِياح الن  صرِ نش رهم َفتح  سب ال  زه ر في الأَكْمامِ كُلَّ َ كمِي ١٤٣
141 الجامع المكان يجتمع فيه القوم ، والهيجاء الحرب والخاطب والخطيب من
خطب كطلب ، والضمير للصحابة  رضِ  ي اللهُ  عنهم والتصامم تطلب الصمم وإظهاره
ممن ليس به صمم ، والصِ  مة الشجاع وجمعه صمم.
والمعنى أنه إذا قام في ميدان الحرب واحد من الصحابة  رضِ  ي اللهُ  عنهم يدعو الكفار إلى
البراز والمقاتلة بما يثير الحمية ويبعث النفوس الأبية أعرض عنه أشجع الشجعان من
الكفار وأظهر من نفسه الصمم عن سماع كلامه ورضي بمعرة التقاعد لما ملأ قلوم من
الرعب وقاسوه من مواقعهم المذكورة قبل .

142 شاكي السلاح تامه أو حاده ، والسيما العلامة . والسلم شجر له شوك
يشابه شجر الورد.
والمعنى أن السلاح التام الحاد مختص بالصحابة  رضِ  ي اللهُ  عنهم حتى صار علامة لهم
يمتازون ا عن غيرهم من الكفار واختصاصه م من حيث ظهور أثره فإن المراد من
حمل السلاح العمل به والإظهار بسببه وترتب الغلبة على فعله وقد تقدم من حال
الصحابة  رضِ  ي اللهُ  عنهم في الوقائع المتعددة ما دل على أن السلاح بيدهم سلاح وأن
وجوده بيد الكفار كالعدم .

١١١
َ كَأن  هم فِي ُ ظ  هورِ ا َ لخيلِ نبت  ربا مِن شِ  دةِ الحَزمِ لا مِن ش  دةِ ا ُ لحزمِ ١٤٤
َ طا  رت قُلُو  ب العِ  دا مِن بأسِهِم َف  رقًا َف  ما تفَ ر  ق ب  ين البهمِ والب  همِ ١٤٥
143 النشر الرائحة الطيبة والأكمام جمع كم بكسر الكاف وهو وعاء الزهر والكمي
الشجاع المتكمي في سلاحه ،واستعار الرياح للأحاديث بجامع أن ك ً لا منهما يصور
البعيد قريبًا والنشر لمدحهم بأفعالهم الجميلة ومواقعهم الجليلة بجامع التذاذ النفس
وارتياحها بكل ، و إلا فارتياح النفس بالأحاديث الجميلة أشد من ارتياحها بالروائح
الطيبة .

144 ال  ربا جمع ربوة وهي ما ارتفع من الأرض . والح  زم جمع حزام وهو هنا ما يشد
به سروج الخيل ونحوها.
والمعنى أن الفرسان من الصحابة  رضِ  ي اللهُ  عنهم في حال القتال ثابتون في ظهور
خيلهم ثباتا لا تغيره صواعق الحرب وبوارقها كأنما هم في تلك الحالة نبت في ربا لا
تغيره السيول ولا تدفعه المياه وذلك الأمر من قوة الحزم والضبط وليس من شدة وثاق
الحزم فإنه مع عدم الحزم غير نافع .

١١٢
ومن ت ُ كن بِ  ر  سولِ اللهِ نص رته إِن تلَْقه الأُس  د فِي آ  جامِها تجِمِ ١٤٦
145 الف  رق الخوف ، والب  هم أولاد الضأن ، والب  هم جمع بهمة هو الفارس الذي لا
يدرى من أين يؤتى من شدة بأسه.
والمعنى أن الكفار لشدة ما نزل م من بأس الصحابة رضوان الله عليهم امتلأت قلوم
رعبا فاضطربت اضطراب الطائر وزال عنها انبعاث أشعة الإدراك فلم تميز أصحاا
بين الضدين أضعف المخلوقات وهو وليد الضأن وأقواها وهو الشجاع الباسل وفيه
إيماء لطيف إلى سوء ما خامر عقولهم في معاودم الحروب وعدم الإذعان من
ترقبهم الغلبة وما ذلك إلا لاحتقارهم حال المحارب الناشئ عن اختلال العقول بما
أدهشها من الخوف .

146 الآجام جمع أجمة وهي مغيض الماء ينبت فيه الشجر ملتفا بعضه ببعض تأوي إليه
الأسود وتجم تسكت فلا يسمع لها صوت .
ومعنى البيت أن الصحابة لما كانوا يقاتلون عن رسول الله  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م وعن
دين الله القويم وصراطه المستقيم وأن ما وقع لهم من النصر سببه التام هو ذلك فلا
عجب أن تمتلئ القلوب منهم رعبا فلو دخلوا مساكن الأسود بذلك الوجه وأتتهم
فيها لسكتت خوفا من بأسهم .وتعقيب ما تقدم ذا المعنى لرفع إيهام أن ما وقع من
النصر كان سببه ما حكاه من حالة الصحابة في حزمهم وقوة أسلحتهم وتمام شجاعتهم
فإن ذلك وإن كان من الأسباب العادية إلا أن السبب الحقيقي هو القتال لإعلاء كلمة
١١٣
 وَلن ت  رى مِن ولِ  ي َ غير منتصِرٍ بِهِ  ولا مِن عد  و َ غير منقَصِمِ ١٤٧
َأ  حلَّ ُأمته فِي حِرزِ مِلَّتِهِ َ كالَّليثِ حلَّ م  ع الأَشبالِ في َأ  جمِ ١٤٨
الله ونصرة نبيه ودينه فلا يعتمد العاقل على قوة عدده وكثرة  عدده إنما الاعتماد
الحقيقي على إخلاص النية الصالحة لأن النصر من الله تعاَلى .

147 المعنى أن كل من والاه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م بالإيمان به واتباع سنته ونصر
شريعته والذب عنها فهو منصور بالتأييد الإلهي على ضده وكل من عانده وعاداه
والعياذ بالله فهو منقصم مغلوب فنفي الرؤية جعلها الناظم كناية عن نفي الوجود
وفيه تصريح بأن النصر بسببه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م غير خاص بمن شاهده وقاتل معه
بل هو عام لكل ناصر له وولي في كل زمان .

148 الأمة الجماعة من الناس والمراد أمة الإجابة الذين آمنوا به واتبعوه  صلَّى اللهُ
 عَليهِ  و  سلَّ  م ،والحرز الموضع الحصين ، والليث الأسد والشبل ولده.
والمعنى أنه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م أنزل أمته حصنا من ملته الزكية لا يرام وعصمهم بحبل
الله الذي ليس له انفصام وضمهم إليه باتباعه في ذلك الحصن ضم الليث لأشباله
في محل منعته ،فما دامت الأمة في ذلك الحصن الحصين والحرز الشامخ المكين لا
يضرهم من ناوأهم فإذا خرجوا منه وأهملوا في التمسك به صاروا بة لكل ناهب
١١٤
َ كم  ج  دَلت َ كلِ  مات اللهِ مِن  جدِل فِيهِ و َ كم  خ  ص  م البرها ُ ن مِن خصِمِ ١٤٩
كَفَا  ك بِالعِلمِ فِي الأُم  ي معجِ زًة فِي الجَاهِلِيةِ  والتأدِيبِ فِي اليتمِ ١٥٠
ومطمعا لكل طالب وفي الحديث الشريف من معالم نبوته  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م:"لا تزال
( طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله." ( ١

149 المعنى كثيرا ما أرغمت آي الكتاب أنوف المعاندين اادلين فتركتهم صرعى
الغلبة وكثيرا ما خاصمت البراهين الواضحة والمعجزات الباهرة من خاصمه في دعوى
النبوة حتى غلبته وأفحم ولما كانت مخاصمة آي الكتاب أقوى من مخاصمة غيرها من
المعجزات نسب إلى الأولى التجديل الذي هو أقوى غلبية وإلى الثانية مطلقها.

150 كفاك بمعنى حسبك ،والأمي صفة لمحذوف تقديره النبي الأمي وهو منسوب إلى
أمة العرب إذ كانوا ليسوا من أهل الكتابة والعلم أو منسوب إلى الأم أي أنه على
(١٩٢٠) -١٥٢٣/ ١) صحيح مسلم : ٣ )
الحالة التي ولدته عليها ، والمعني به الذي لا يقرأ ولا يكتب وهو في غيره  صلَّى اللهُ
 عَليهِ  و  سلَّ  م من الصفات الذميمة أما فيه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م فهو من كمالاته الخارقة
لأن ذم وصف الأمية لما يقتضيه من كمال الجهالة وحيث صحب في ذاته الشريفة
كمال العلم البشري وايته كان من أعز الصفات وأشرفها ومن ثم كان من المعجزات.
والمعنى يكفي من معجزاته الدالة على صدق نبوته ما له من العلوم والمعارف التي
بعضها علم اللوح والقلم مع كونه أميا لا يقرأ ولا يكتب ونشأ في أمة جاهلية لا يمكن
حصول العلم بالسمع منها كما يكفي من كراماته الخارقة للعادات ما نشأ عليه من
١١٥
خدمته بِ  مدِيحٍ َأستقِي ُ ل بِهِ ُ ذنو  ب  عمرٍ م  ضى في ال  شعرِ  والخِ  دمِ ١٥١
إِ ْ ذ َقلَّدانِ  ي ما تخ  شى  ع  واقِبه َ كَأننِي بِهِ  ما هدي مِ  ن النعمِ ١٥٢
مكارم الأخلاق وحسن الشيم المشهود له به في الكتاب والسنة مع صفة اليتم التي
شأا في مجاري العادة الإهمال وعدم اكتساب المحامد وما ذاك إلا بتأديب الله عز وجل.

151 الاستقالة طلب الإقالة وهي هنا للخلاص من الذنوب والخِ  دم جمع خدمة .
والمعنى خدمت جنابه صلى الله عله وسلم وتقربت إليه ذا المديح المشتمل على
الترر من صفاته الكاملة أطلب بذلك التوسل بجنابه المرفوع إلى الله أن يتجاوز عما
مضى من الذنوب في الزمن السالف ومن جملة تلك الذنوب قول الشعر ومدحه الناس
به فإن ذلك وإن كان فيه المباح ولكنه تضييع لحصة من العمر في غير المطلوب منه.

152 المعنى إنما طلبت بمديحه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م الخلاص من مواقع الشعر والخدم
لأما وسماني سمة مخوفة العواقب الدنيوية والأخروية حتى صرت بسببهما كالهدي
المقلد الذي مآله النحر وحاله غير خفي بشعاره مما يعلق في عنقه للدلالة على
كونه هديا ولا يهتدي إلى وجه الخلاص .وفي هذا التشبيه إيماء إلى أن تعاطي ذلك وإن
كان قصديا لكن صاحبه لما لم يتدبر في العواقب كان بالأنعام أشبه .
١١٦
َأطَع  ت غَ  ي ال  صبا فِي ا َ لحاَلتينِ  وما  ح  صلْت إِلَّا  عَلى الآَثامِ والن  دمِ ١٥٣
َفيا  خسا  رَة ن ْ فسٍ فِي تِ  جارتِها َلم تشترِ ال  دي  ن بِال  دنيا  وَلم تسمِ ١٥٤

153 معنى البيت اعتذار عن ارتكاب الحالين مع كوما مؤديين إلى عدم النجاة فإن
ضلالة الشباب وجهل الفتوة دعياه إلى ارتكاب ما ارتكب منهما لأن الشباب شعبة
من الجنون إذ لم يكمل العقل حينئذ وبه يقوى داعي الهوى لوجود القوة والبطالة
وطول أمل العيش وتزيين الباطل بصورة الحق وتخييل الشهوة ما في الفعل من الحسن
حتى إذا أدركه الكبر ورجع إلى حكم العقل وجد ما كان يخيل حسنا قبيحا ولم يحصل
له من آثار ما فعل إلا ما يسوء منه من ترتب الآثام والتأسف على الفائت حيث
اتضحت عواقبه وفي ضمن هذا الاعتذار إقرار وتوبة وفيه إيماء لطيف إلى أن المعصية
وإن كانت في نفسها معصية إلا أنه ربما يعذر صاحبها في مجاري العادات وذلك بتوفر
الدواعي وقوة الأسباب .

154 المعنى عظمت خسارة نفس وضل سعيها حالة كوا متمسكة بزهرات الدنيا
ولذاا ولم تبدلها بالدين والطاعة ولا أخذت في مسالك ذلك واختارت اتباع
الشهوات واستبدالها من المطلوب منها من أنواع العبادات فشبه هذه الحالة بحالة
الخسارة في البيع بسوء تدبير التاجر واستعار لها تركيبها اقتباسا من قوله تعاَلى
 ُأوَلئِ  ك الَّذِي  ن ا  شت  ر  وا ال  ضلاَلَة بِاله  دى َف  ما  ربِ  حت تِجا  رتهم  وما َ كانوا مهتدِي  ن 
١١٧
 ومن يبِع آجِ ً لا مِنه بِعاجِلِهِ يبِن َله الغبن في بيعٍ  وفِي سَلمِ ١٥٥
إِن آتِ َ ذنبا َف  ما  عهدِي بِمنتقِضٍ مِ  ن النبِي  وَلا  حبلِي بِمن  صرِمِ ١٥٦
وفيه إيماء لطيف إلى أن حالة الحياة الدنيا غير مقصودة بذاا إنما المقصود منها بذلها
في الطاعات واكتساب الحسنات كما تبذل الأموال في شراء ما ينمي المال ويكثر
المكاسب .

155 الآجل المتأخر ، والغبن في البيع المخادعة فيه والسلم أصله لغة السلف وفي
عرف أهل الشرع بيع ما ليس بحاضر يتقرر في ذمة البائع مع تعجيل الثمن على
شروطه المقررة في كتب الفروع.
والمعنى كل من استبدل الآجل بالعاجل ورضي بما يحصل له عاجلا عوض ما يؤول
إليه آجلا فلا بد من غبن له ونقص ضرورة أنه لا بد للتأخير من فرط فالبائع يخدع
ويغتر بلذة ما يحصل بيده من الثمن الحال ويغفل عما ينقص له لو باعه في وقته ،
وضرب الناظم هذا المعنى مثلا لمن يغتر بزهرات الدنيا معرضا ا عن الطاعات المحمودة
العواقب .

156 ومعنى البيت أني وإن كنت أجرمت ومن كؤوس المآثم تجرعت فلا يوجب
ذلك إياسي من المغفرة ولا يقطع مني رجاء العفو والرحمة لأن لي عهدا محكما وصلة
( وثيقة بالنبي  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م لا ييأس معهما صاحبهما ولو كان صاحب اجترام ( ١

١١٨
َفإِنَّ لِي ذِمًة مِنه بِتسمِيتِي مح  مدًا  وه  و َأ  وَفى ا َ لخلقِ بِالذِّممِ ١٥٧
إِن َلم ي ُ كن فِي معادِي آخِذًا بِيدِي فَض ً لا  وإِ  لا َفُق ْ ل يا زلََّة القَ  دمِ ١٥٨
157 المعنى أن لي ذماما منه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م لا يخفر واعتلاقا لا يجحد اعتباره
ولا ينكر وهو التسمية باسمه الشريف والتطفل ا على خصيصية النسبة إلى مقامه
الشامخ المنيف إذ المقصد من التسمية بأسماء العظماء التعلق م والانتساب بذلك
إليهم إذ ذلك أدنى ما يمكن من مراتب الاشتراك وهو عند النفوس الكاملة يستدعي
اعتباره نسبة وذمة واعتلاقا يوجب رعاية لصاحبه وحرمة ولما كان الوفاء بالذمم من
مكارم الأخلاق وقد ثبت ثبوتا لا يعتريه ريب أنه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م حصل من تلك
الصفة على ما لا مطمع لمخلوق فيه فكان  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م أوفى الناس بالذمم
وأحقهم بمراعاا . وفي صنيع الناظم ترغيب في التسمية باسمه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م
تيمنا وذمة .

( ٣٤٤٢ – ٢١٤/ ١ ويكفي حديث " إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " (المستدرك للحاكم : ٢
158 المعاد النشأة الثانية وهو الحشر ،والأخذ باليد كناية عن التخليص من الشدائد
وزلة القدم كناية عن الوقوع في المهالك.
والمعنى أنه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م إن لم يكن مخلصا له يوم القيامة ( ١) من جزاء ما
اقترفه من الآثام وضيع فيه عمره مما لم يحصل منه إلا على الندم فقد وقع في المهالك
١١٩
 حاشاه َأ ْ ن يحرِم ال  راجِي م َ كارِمه َأ  و ي  رجِع اْل  جار مِنه غَي ر محت رمِ ١٥٩
 ومن ُ ذ َأْل  ز  م  ت َأْف َ كارِي م  دائِ  حه  و  ج  دته لِ  خلاصِ  ي  خي ر مْلتزِمِ ١٦٠
وظلمة ليل آثامه الحالك وتقديم الفضل على الذمة تبعيد للإدلاء بالاستحقاق
والاعتماد على الأسباب ووقوف عند باب المنحة والإحسان وذلك من آداب
الاستعطاف .

.  159 حاشا من أدوات الاستثناء والضمير فيها يعود على النبي
مستشفعًا ومستجيرًا به لا يمكن بأي حال من  والمعنى أن من يلجأ لرسول الله
ولأن الوفاء بالذمم من مكارم  الأحوال أن يرجع خائبًا ، لأن ذلك مما ينافي مكارمه
أوفى الناس بالذمم فحاشا لمن استجار  أخلاقه وقد ثبت ثبوتا لا يعتريه أدنى شك أنه
به ولاذ بجنابه أن يخفر ذمته ويضيع جواره .

160 المعنى أنني عندما قصرت مدائحي لخير الأنام وجعلت جميع أفكاري مصروفة
متوس ً لا ا في مطالبي العظيمة كطلبي الخلاص من الداء الذي ألمَّ بي  إلى نظم مدائحه
١) أي بالشفاعة )
لخلاصي من  وجدته ،  والذي لا يقدر على دفعه إلا الله تعالى ببركة محمد
 الشدائد خير ملتزم ، وذلك لما قام عليه البرهان وبلغ مبلغ المشاهدة والعيان أنه
أكرم الخلق سجية وأوسعهم رحما وعطية وأنه لا يخيب قاصده وسائله ( ١) ولا ترد
على مؤمله وسائله علم ذلك يقينا من شمائله وأخباره وتواترت به الوقائع الجمة
من آثاره كيف لا وإنه صاحب الخلق العظيم والمشهود له بأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم
١٢٠
 وَلن يفُو  ت الْغِنى مِنه يدًا ترِب  ت إِنَّ اْل  حيا ينبِت الأَزها  ر فِي الأُ ُ كمِ ١٦١
 وَلم ُأرِ  د  زه رَة ال  دَنيا الَّتِي اقْت َ طَف  ت ي  دا ز  هيرٍ بِ  ما َأثْنى  عَلى هرِمِ ١٦٢
وإذا كان المتطبع بالمكارم من غيره من البشر تأخذه حمية الحماية عند الالتجاء إليه
.  ويصرف عنان همته لمن عول عليه فكيف بمنبع الكرم والجود
وهذا الداء الذي أشير إليه هو سبب إنشائه لهذه القصيدة أنه أصيب بالفالج فكتب
منامًا فمسح بيده الشريفة عليه فشفي .  هذه القصيدة واستشفع ا ، ثم رأى النبي

161 فات الشيء سبق فلم يدرك ، والغنى اليسار ، وتربت يده افتقر ، والحيا المطر
والخصب ، والأكم جمع أكمة وهي الجبال الصغار.
والمعنى أني وإن لم أفعل من الطاعات ما أرجو معه نيل الثواب فلا أكون آيسا من نيل
فإن عظيم الجاه يكسب المعدوم وينعم المحروم  الإحسان والتنعم بالنعيم الأكبر بجاهه
كالمطر النافع فإنه ينبت المحل الذي ليس من شأنه الإنبات لصلابته وعدم قبوله الماء
أعظم نفعا من الحيا بل الحيا فرد من أفراد أنواع نفعه .  حق القبول وهو

 ١ بدعائه وشفاعته
162 زهرة الدنيا زخرفها ، وزهير هو الشاعر ابن أبي سلمى ، وهرم هو ابن سنان
بن حارثة المزني كان ممدوح زهير وكان يصله بالصلات الجزيلة .
١٢١


 
من مواضيعي


قديم 13-02-2010, 03:08 AM   #9
عضو ماسي


الصورة الرمزية المهاجر
المهاجر غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 561
 تاريخ التسجيل :  Aug 2009
 أخر زيارة : 06-10-2014 (05:35 PM)
 المشاركات : 2,441 [ + ]
 التقييم :  56
 قـائـمـة الأوسـمـة
درع التميز الفضى

وسام التقدير

لوني المفضل : Darkred
افتراضي رد: شرح البردة



يا َأكْ رم الْ  خلْقِ ما لِي م  ن َأُلو ُ ذ بِهِ سِوا  ك عِن  د حلُولِ الْحادِثِ اْلعمِمِ ١٦٣
 وَلن يضِي  ق  ر  س  و َ ل اللهِ  جا  ه  ك بِي إِ َ ذا الْ َ كرِيم ت  جلَّى بِاسمِ منتقِمِ ١٦٤
والمعنى لم يكن قصدي من التوسل بجاهه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م زخرف الحياة الدنيا الذي
ناله زهير بمدح هرم وإنما القصد النفع بذلك في الأخرى التي لا يفنى نعيمها وقدمنا
أنه دفع ذا ما يوهمه البيت قبل من إرادة الحياة الدنيا كيف وإنه فزع إلى ذلك الجناب
الرفيع للتخلص مما أوقعته فيه إرادة زهرات الدنيا وفيه إيماء إلى أن العظيم لا يلجأ إليه
إلا في عظيم وإلا كان تنقيصا في عظمته ، ولا ينافي أن من مقاصده ذا النظم الشفاء
من داء الفالج كما تقدم .

163 لما حط أحماله عند باب المصطفى الكريم وأيس في نيل مطالبه من كل وسيلة
سوى جانبه العظيم وتوجه بكليته إليه وناداه نداء المضطر المعتمد عليه فالتفت من
غيبته إلى شهوده وشافهه بمرامه ومقصوده واستعمل كلمة البعد تحقيرا لنفسه وتعظيما
للجناب المرفع والأكرم ويراد به العزيز ، ولاذ بالشيء التجأ إليه وسواك بمعنى غيرك
والحلول الترول والحادث في الأصل المسبوق بالعدم ثم كثيرا ما يستعمل في الأمر
الهائل كهول يوم القيامة المراد للناظم هنا والعمِم من عم الشيء .
والمعنى يا أكرم الخلق على ربه ( ١) أو يا أمنحهم ليس لي غيرك ملاذ إذا حل هول يوم
القيامة الذي يعم كل أحد.
.  ١ ووصفه بالخلق في أول البيت احتراز وإشارة إلى أن الفاعل الحقيقي هو الله ببركة حبيبه
١٢٢
َفإِنَّ مِ  ن  جودِ  ك ال  دنيا  و  ض رتِ  ها  ومِن  عُلومِ  ك عِلْ  م الَّل  وحِ  واْلَقَلمِ ١٦٥
164 الجاه القدر والمترلة والكريم من أسمائه تعاَلى ، ومعنى التجلي باسم منتقم
انكشافه وظهوره بإظهار آثاره فإنه تعاَلى متصف بجميع صفاته فالتفضل والإحسان
مظهر وتجل لاسمه تعاَلى الكريم والعقاب والمؤاخذة مظهر وتجل لاسمه المنتقم والمنتقم
المؤاخذ لمن خالف الأمر والنهي بأشد سطوة وأعظم عقوبة.
ومعنى البيت يا رسول الله إن جاهك ومكانتك عند الله تسعني ويشملني حماها يوم لا
حمى إلا حماك وهو اليوم الذي يتجلى فيه من عود عباده مظاهر الكرم والجود بإظهار
الانتقام والعقوبة وهو اليوم الذي يقول فيه جميع الأنبياء سواه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م:
"إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله نفسي
( نفسي." ( ١

165 الجود السخاء وضرة الدنيا الآخرة ، واللوح هو اللوح المحفوظ الذي كتب
الله فيه ما كان وما هو كائن والقلم هو القلم الوارد فيه أنه أول ما خلق الله.
والمعنى كيف يضيق جاهك بي وأنت أكرم الخلق على ربك قد خصك بالمزايا العظام
الدالة على مكانتك عنده منها أنه خلق الدنيا والآخرة لأجلك ( ٢) ، ومنه أنه علَّمك ما
( لم يحط به غيرك علما حتى أن ما في اللوح والقلم بعض علومك ( ٣
(٣١٦٢) -١٢١٥/ ١) صحيح البخاري : ٣ )
 ٢) كما سبق ذكره في المقدمة فالغرض من الخلق هو العبادة الكاملة والتي تحققت فيه )
٣) فإذا كان المعلم هو الله فبعد هذا لا يستبعد أن يحيط بعلوم كثيرة . )
١٢٣
ومن كانت هذه مكانته عند ربه فلا يرجى للوسيلة سواه ولا يخيب من وقف بباب
( فضله وعلاه . ( ١

وإنما على جميع الأمم وقد أخبر الله عن  ١) هذا كله محمول على دعائه والتوسل به . وهذا الأمر ليس مقصورًا على أمة محمد )
ذلك بقوله : "ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جآءهم ما
عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين"
عن قتادة قوله "وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا" كانت اليهود تستفتح بمحمد صلى الله عليه وسلم على كفار
العرب من قبل وقالوا اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده في التوراة يعذم ويقتلهم فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فرأوا
أنه بعث من غيرهم كفروا به حسدا للعرب وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة فلما
جاءهم ما عرفوا كفروا به .
فإذا علمنا هذا وربطناه بالميثاق الذي أخذه الله على الأنبياء " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم
( ٤١١ / تفسير الطبري : ١ ) .  رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه " فإيمان الأنبياء مرتبط بإيمام به
فالدعاء الذي أمره به لهم " واستغفر لهم " " وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم " قال الإمام القرطبي "وصل عليهم  وأما أمته
(٢٣٥ / إن صلاتك سكن لهم" أي دعاؤك تثبيت لهم وطمأنينة ألا إا قربة لهم أي تقرم من رحمة الله . (تفسير القرطبي : ٨
وعلاوة على ذلك قوله تعالى " ولو أم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما "
قال ابن كثير : يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا
الله عنده ويسألوه أن يغفر لهم فإم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم ولهذا قال لوجدوا الله توابا رحيما وقد ذكر
جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي قال كنت جالسا ثم قبر النبي صلى الله عليه
وسلم فجاء أعرابي فقال السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول ولو أم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم
الرسول لوجدوا الله توابا رحيما وقد جئتك مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول :
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم فقال يا عتبي الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر
( ٥٢١-٥٢٠/ له . ( تفسير ابن كثير : ١
١٩٥ - رقم : ٩١٤ ) . وحديث / ويشهد له حديث " إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام " (صحيح ابن حبان : ٣
"حياتي خير لكم تحدثون ونحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه وما رأيت من
( ٣٠٨ برقم : ١٩٢٥ / ٥ : ٩- شر استغفرت الله لكم " ( مسند البزار ٤
١٢٤
يا نفْسِ لا ت ْ قنطِي مِ  ن زلَّةٍ  ع ُ ظ  م  ت إِنَّ الْكَبائِ  ر فِي اْلغ ْ ف رانِ كَالَّل  ممِ ١٦٦
َلعلَّ  ر  ح  مَة  رب  ي حِي  ن ي ْ قسِ  م  ها تْأتِ  ي  عَلى  ح  سبِ العِصيانِ في القِ  سمِ ١٦٧
166 معنى البيت تطمين نفسه بباب الرجاء وعزائم التوسل والالتجاء وصدق الوعد
الذي لا خلف فيه وعموم الفضل الذي لا حجر عليه كي لا يسوقها شدة الخوف إلى
اليأس من الرحمة فتقع في مهلكته الدهماء المذكورة في الكتاب ايد قائلا لها إن
الذنوب وإن عظمت فهي بالنسبة إلى مغفرته تعاَلى تساوي الصغائر فإذا صادفت العبد
النفحة الصمدية كانت كبائر العبد في سعة رحمته كالصغائر حيث يعمها الغفران . وإذا
رجعت بمعنى هذا البيت والذي بعده من الرجاء إلى ما صدر به نظمه من حالة خوفه
تيقنت الإشارة منه رحمه الله تعاَلى إلى أن العبد ينبغي أن يكون في أول أمره على
الخوف ويختم عمله بالرجاء فقد جمع في نظمه بين الحالتين المطلوبتين من العبد .

167 المعنى أنه  رضِ  ي اللهُ  عنه تر  جى أن تكون رحمة الله وقت تعلقها بالعباد يوم
القيامة الذي ادخرت له كما في حديث" إن لله مائة رحمة وضع منها رحمة واحدة
في الدنيا فبها يتراحمون ويتعاطفون حتى أن البهيمة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن
تطأه وأخر تسعة وتسعين رحمة رحم الله ا عباده يوم القيامة" تعم أنواع الآثام
والمعاصي بحيث لا تذر ذنبا إلا شملته فلا يخشى صاحبه عاقبته ، وفيه إيماء لطيف إلى
كمال كرمه تعاَلى وحديث"لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون
( فيغفر لهم" ( ١

١٢٥
يا ر  ب  وا  جع ْ ل  ر  جائِي غَي ر منعكِسٍ َل  دي  ك  وا  جع ْ ل حِ  سابِي َ غي ر منخرِمِ ١٦٨
 واْل ُ ط  ف بِعبدِ  ك فِي ال  دا رينِ إِنَّ َله صبرًا متى ت  د  عه الأَ  ه  وا ُ ل ينهزِمِ ١٦٩
٢١٠٦ - رقم : ٢٧٤٩ / ١) صحيح مسلم : ٤ )
168 المعنى يا رب حقق ظني واجعل رجائي عموم الرحمة بجميع ذنوبي محققا غير
خائب واجعل ظني بك ظنا تاما بتحقق جميع مظنوني كما قال نبيك فيما يرويه عنك أنا
عند ظن عبدي بي فإن قيل مع هذا الإخبار الصادق كيف يصح للناظم طلبه؟ قلت
المطلوب ما يرجع إلى صحة الظن وعزيمته وتمام ذلك ونقصه من قبل الطالب .

169 المعنى أطلب منك يا رب أن تعاملني بلطفك في الدنيا بالعافية وتيسير الرزق
ودفع المؤلمات كالمرض الذي توسل ذا النظم لدفعه وغير ذلك فإنه لا طاقة لي على
تحمل المشاق والصبر عليها فإن ما عندي من الصبر على حرف بحيث ما نازلته الأهوال
إلا وتضعضع فإن لم يكن منك اللطف وقعت في الجزع المخوف العاقبة كما أطلب
منك اللطف في الدار الآخرة بمعاملتي بالعفو والغفران . وقد سلك رحمه الله في هذا
الطلب الأدب النبوي فإنه  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م كثيرا ما حث على سؤال العافية إذ
( قال : "إذا سألتم الله شيئا فاسألوه العافية ." ( ١

١٢٦
 وْأ َ ذ ْ ن لِسحبِ  صلاةٍ مِن  ك دائِ  مة  عَلى النبِ  ي بِ  من  هلٍّ  ومن  سجِمِ ١٧٠
ما  رن  حت عذَباتِ الْبانِ رِي  ح  صبا  وَأطْ ر  ب الْعِي  س  حادِ  ي الْعِيسِ بِالنغمِ ١٧١
٢٣٠ – رقم : ٩٥٠ / ١) صحيح ابن حبان : ٣ )
 170 المعنى ائذن يا رب لخزائن صلواتك ورحمتك أن يصل منها على رسولك
كما  الحظ الوافر الكثير الدائم وهذا الطلب منه هو الصلاة المطلوبة من العبد عليه
علمها الصحابة حين سألوه وختم الناظم مطالبه ا لكوا مرقاة الدعاء. روي عن علي
ما من دعاء إلا بينه وبين الله حجاب حتى " :   رضِ  ي اللهُ  عنه قال قال رسول الله
( يصلي على محمد وعلى آل محمد فإن فعل انخرق ذلك الحجاب ودخل الدعاء." ( ١

171 العيس الإبل البيض التي يخالط بياضها شقرة والحادي سائق الإبل بالغناء .
ما دام الصبا يهب على أغصان البان فيميلها وما دام  والمعنى أصلي على النبي
الحادي يحدو العيس بنغماته فيطرا ولا يعزب عن ذي مخالطة للمعاني الأدبية
والأغراض الشعرية أن الغرض من مثل هذا التكنية عن التجدد والدوام وعدم
الانقطاع .

٤٧ - رقم : ٦٦٤٨ / ١) الفردوس بمأثور الخطاب للديلمي : ٤ )
١٢٧
خاتمة :
لقد انصب عملي في هذا التهذيب والاختصار لكتاب (شفاء القلب الجريح للشيخ
الطاهر بن عاشور على بردة المديح للإمام البوصيري مادح الرسول الأعظم) على
تنقيح الكتاب وتحقيقه بعزو الروايات إلى مصادرها واستبعاد ما جاء فيه من روايات
واهية لم أعثر عليها في مصنفات الحديث أو التفاسير أو السير والتراجم ، ليخرج
الكتاب بثوب جديد يحوي أوثق الشواهد والأدلة .
كما إنني ذيلت بعض الصفحات بحواشٍ وجدا ضرورية لإزالة ما قد يلتبس على
القارئ من فهم مغلوط لمراد الناظم أو الشارح .
وأرجو أن أكون قد وفقت في هذا الجهد المتواضع .
وأختم هذا التهذيب بالعبارة الجميلة التي ختم ا الشارح فقال :
وههنا أبيح لليراع أن يلف عنان جواده حيث ساعده القدر ببلوغ مراده ونال من
التعلق بالجناب المرفع مقصوده وبذل في الخدمة مقدوره ومجهوده ولو لا فضل الرحيم
الرحمن ما كان يأمل أن يجري في ذلك الميدان لكن العناية التي ليس عليها حاجر إذا
صادفت ألحقت العاجز بالقادر والمرجو من جناب المصطفى  صلَّى اللهُ  عَليهِ  و  سلَّ  م
والمسئول أن يكون هذا الشرح كأصله في الرضا والقبول فإن ذا الخلق الكريم يلحق
لديه الحقير بالعظيم.


نسأل الله تعاَلى أن يجعله من التجارة الرابحة والأعمال المقبولة الصالحة والوسائل
النافعة الناجحة بجاه حبيبه سيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين
والحمد لله رب العالمين.


 
من مواضيعي


 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:05 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010

جميع الحقوق محفوظة لموقع أخبار السعد لصاحبه الحاج أشرف السعد .
الموقع غير مسئول عن الآراء المكتوبة فى المنتدى، الآراء تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر إدارة الموقع .

 قصةالسعد